ربع قرن من التحولات الكبرى الجزء 1

ونحن نبدأ هذا الربع الثاني من القرن الحادي والعشرون، ربما كان من الضروري محاولة فهم التغييرات الكبرى التي حدثت في عالمنا المضطرب هذا. فقد شهد الربع قرن المنصرم أحداثاً مزلزلة سواء على مستوى العالم أو في مصر ومنطقتنا المنكوبة. حروب استعمارية في بداية القرن في أفغانستان والعراق، أزمة كساد عالمي حاد بدأت في 7002 لم تنتهي بعد تداعياتها السياسية والاجتماعية، ثوراتنا العربية المهزومة بين  بين 1102 و 3102، ووباء الكوفيد العالمي والشلل التام الذي أحدثه في النظام العالمي والشروخ والتناقضات التي انكشفت خلاله، والحرب الأوكرانية منذ 2202، وقد انتهى ربع القرن الأول هذا بحرب الإبادة في غزة التي بدأت في 3202 ولم تنتهي بعد، بل بدأ عام 6202 بهجوم عسكري أمريكي على فنزويلا واختطاف رئيس جمهوريتها وزوجته. مجرد سرد هذه القائمة في فقرة واحدة يجعل كل تلك الأحلام الليبرالية في نهاية القرن المنصرم حول العولمة ونهاية عصر الأزمات الرأسمالية وتجاوز الإستعمار والإمبريالية والحرب وهيمنة الديمقراطية الليبرالية عالمياً و”نهاية التاريخ” تبدو مثيرة للشفقة. فيبدو أننا مازلنا نعيش في عصر الأزمات والحروب والثورات والتنافس الامبريالي من أجل المواد الخام والأسواق ومصادر الطاقة، بل أن هذا كله يحدث في ظل تغيير مناخي يهددنا جميعاً بالفناء.

لا يستهدف هذا المقال تحليل أو حتى وصف كل تلك الأحداث المزلزلة بل محاولة لفهم أهم التحولات الكبرى في النظام الرأسمالي العالمي التي شكلت السياق الذي جعل كل هذه الكوارث ممكنة. أو بمعنى أدق كيف نفهم المرحلة الحالية من التطورات السياسية والاقتصادية العالمية مقارنة بلحظة نهاية القرن الماضي؟ أي، ما هي التغييرات طويلة المدى التي تشكل السياق لفهم الأحداث الكبرى منذ بداية القرن؟ 

هناك عدد من التحولات الكبرى التي تجعل اللحظة المأزومة التي نعيشها اليوم مختلفة نوعياً عن ما كنا عليه في عام 2000. وأهم هذه التحولات هي بلا شك الصعود التاريخي للرأسمالية الصينية لتحتل منصب الصدارة العالمية وتنافس الرأسمالية الأمريكية على موقع الهيمنة الذي ظلت فيه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فرغم التنافس الاستراتيجي خلال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، ظلت الأخيرة ذات اقتصاد أكبر بشكل نوعي عن الاقتصاد السوفيتي وامتداداته في أوروبا الشرقية. شكل صعود الرأسمالية اليابانية والألمانية خلال الخمسينات والستينات تهديداً محتملاً لهيمنة الولايات الأمريكية ولكن في الحالتين كانت القوة العسكرية الأمريكية بمثابة قوة احتلال وسيطرة مباشرة، وبالتالي استطاعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة السيطرة على مسار نموهما، بل تحجيم ذلك النمو في حالة اليابان بالتهديد المباشر خلال عهد ريتشارد نيكسون. ولكن الصين قوة مستقلة ولا مجال عسكري لوقف مسيرتها. وبالتالي فنحن أمام تغيير شكل وطبيعة التنافس الجيوستراتيجي بين القوى الكبرى.

أما التحول الثاني فهو ما يمكن تسميته بعودة رأسمالية الدولة، فإذا كانت تسعينات القرن الماضي والسنوات الأولى من القرن الحالي هي العصر الذهبي للعولمة والتحرير الاقتصادي وتراجع دور الدولة الاقتصادي والليبرالية الجديدة وتبني معظم الدول النامية لما عرف بــ”إجماع واشنطن”، فقد شهدت الرأسمالية العالمية منذ الكساد الكبير في 2008 عودة واسعة النطاق لأشكال متعددة من “رأسمالية الدولة”، وتغيرات جوهرية في طبيعة وشكل الليبرالية الجديدة، إذا لم يكن انصرافاً جماعياً من قبل حكومات العالم عن ذلك الإجماع الذي ظل مهيمناً، بل كان يبدو المسار الوحيد الممكن منذ ثمانينات القرن الماضي.

أما التحول الثالث، وهو مرتبط بالضرورة بالتحولين الأول والثاني، فهو التغيير الذي طرأ على التنافس وتوازن القوى بين الدول القومية الكبرى (ما يعرف بالإمبريالية) ويتضمن ذلك ليس فقط تغيير التوازن بين القوى الكبرى: الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، ولكن أيضاً صعود القوى الإقليمية مثل تركيا والسعودية وايران وغيرهم. نعيش اليوم في عالم قائم على التنافس العسكري والجيوستراتيجي والإقتصادي أقرب إلى عالم الحرب العالمية الأولى منه  إلى عالم الحرب الباردة ما بعد الحرب العالمية الثانية أو عالم القطب الأوحد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

أما التحول الرابع فهو بلا شك الصعود غير المسبوق (على الأقل منذ ثلاثينيات القرن الماضي) لليمين الشعبوي والفاشية بكل ما يحمله ذلك من تصعيد للتعبئة القومية وهجوم على المكتسبات الديمقراطية للطبقات العاملة وتعبئة عنصرية ضد المهاجرين وشعوب العالم الثالث، وضد النساء وحقوقهن المكتسبة، وضد المثليين والترانس وكل من لا يخضع لنموذج الأسرة التقليدية. هذا الصعود يأتي على خلفية انهيار أحزاب الوسط من اليمين واليسار والتي تبنت سياسات العولمة والليبرالية الجديدة منذ الثمانينات والتسعينات والتي أدت في نظر قطاعات واسعة من الجماهير في مختلف أنحاء العالم إلى الفقر وتزايد الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتراجع واسع النطاق لمستوى المعيشة. وهذا الصعود يأتي أيضاً في سياق تراجع نسبي لليسار عالمياً رغم الأزمات الرأسمالية ورغم تراجع الأيديولوجيات المدافعة تقليدياً عن الرأسمالية.

تمثل هذه التحولات تحدياً كبيراً لليسار ليس فقط على المستوى السياسي ولكن أيضاً على المستوى النظري والتحليلي. وفهم هذه التحولات شرط ضروري لفهم أزمات الرأسمالية المصرية ووضع الدولة المصرية في المنظومة العالمية من جانب وفي الصراعات الإقليمية من الجانب الآخر. كثير من الكتابات حول الوضع المصري تتناوله بمعزل عن التحولات العالمية السياسية والاقتصادية والأيديولوجية وبالتالي تصل إلى استنتاجات خاطئة. فعلى سبيل المثال عسكرة الاقتصاد والدور المتضخم للجيش في الاقتصاد ومزاحمة القطاع الخاص ليس مجرد نتاج للصراع السياسي المحلي منذ انقلاب 2013، ولكنه أيضاً جزء من تحول عالمي نحو العسكرة من جانب ونحو رأسمالية الدولة من جانب آخر. ومثال آخر: التعبئة القومية والشوفينية والرجعية للنظام المصري ليس فقط تعبير عن الثورة المضادة ولكنه أيضاً جزء من تحول أوسع، إقليمي وعالمي نحو اليمين. وكيف لنا أيضاً أن نفهم معضلات السياسات الخارجية للنظام المصري بمعزل عن فهم التغيير الضخم في توازن القوى سواء بين الدول الكبرى أو بين القوى الإقليمية المهيمنة؟

سنحاول في هذا المقال تتبع هذه التحولات الكبرى، أي: صعود الصين وعودة رأسمالية الدولة وتغيير طبيعة الإمبريالية وصعود اليمين الشعبوي. ومن ثم تناول سؤال: أين تقع مصر من هذه التحولات وما هو تأثيرها على الصراع السياسي والاجتماعي في مصر وفي المنطقة؟

ينقسم هذا المقال، بحكم حجمه إلى جزئين. نتناول في الجزء الأول المنشور في هذا العدد الصعود الكبير للصين وعودة رأسمالية الدولة عالمياً. وفي الجزء الثاني نتناول التحول في الإمبريالية وفي

توازن القوى عالمياً وصعود اليمين الشعبوي ووضع اليسار عالمياً في مقاومة ذلك الصعود. وأخيراً نتناول وضع النظام المصري والرأسمالية المصرية في سياق كل تلك التحولات. 

صعود الصين

كان أهم تغيير طويل المدى يعصف باستقرار عالم ما بعد الحرب الباردة هو الصعود السريع للصين كقوة اقتصادية وعسكرية عملاقة. لم يكن أحد يتوقع سرعة ذلك التحول النوعي والكمي للرأسمالية الصينية. كانت الصين حتى بداية تسعينات القرن الماضي تمثل أقل من 1٪ من إجمالي الناتج العالمي، وخلال عقدين وصلت تلك النسبة إلى حوالي 20٪. وبالطبع، مع التحول الاقتصادي، جاءت القوة العسكرية، حيث قفزت الميزانية العسكرية للصين من أقل من نصف مليار دولار في بداية التسعينات إلى أكثر من 300 مليار دولار اليوم.

لابد أن ينظر إلى صعود الصين في سياق التراجع النسبي طويل المدى لهيمنة الاقتصاد الأمريكي عالمياً. كان الاقتصاد الأمريكي يمثل في أعقاب الحرب العالمية الثانية حوالي 50٪ من إجمالي الناتج العالمي. وقد تراجعت تلك النسبة في ستينات وسبعينات القرن الماضي مع الصعود الاقتصادي لألمانيا الغربية واليابان، ثم مع الصعود التاريخي للصين في العقود الثلاث الماضية، حيث أصبح الاقتصاد الأمريكي يمثل حوالي 25٪ من إجمالي الناتج العالمي.

هذا لا يعني بالطبع أن الإمبريالية الأمريكية لم تعد القوة العظمى الأكبر والأقوى في العالم. لابد أن نتذكر أن الدولار الأمريكي ما زال سيد الاقتصاد العالمي ولا زال بلا منازع العملة الرئيسية في كافة مجالات التجارة العالمية والمخزون الاحتياطي الأهم في كل البنوك المركزية العالمية. ولابد أن نتذكر أيضاً أن الميزانية العسكرية الأمريكية، والتي تقترب اليوم من تريليون دولار أمريكي سنوياً، مازالت بعيدة عن المنافسة (الصين 300 مليار دولار، روسيا 100 مليار دولار). وعلى المستوى الاقتصادي والتكنولوجي، فلازالت الشركات الأمريكية العملاقة في الصدارة عالمياً (أمازون، جوجل، آبل، نفيديا، تسلا، ميتا، الخ). ولكن من البديهي أن هذا التفوق لا مستقبل له إذا استمرت الرأسمالية الصينية في صعودها بمعدلات مثل التي شاهدناها في العقود الثلاث الماضية.

حتى نهاية القرن الماضي كان المعلقين الاقتصاديين يتحدثون عن “المعجزة اليابانية” و”المعجزة الألمانية” لوصف القفزة الاقتصادية التي حققتها البلدان بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن ما حدث في الصين في العقود الثلاث الماضية يفوق، من حيث التراكم الرأسمالي والتحول الصناعي، كل ما شهدته الرأسمالية من نقلات نوعية وكمية في تاريخها، ربما منذ الثورة الصناعية في بريطانيا في القرن الثامن عشر. 

فعلى سبيل المثال، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للصين من نحو 1.2 تريليون دولار عام 2000 إلى قرابة 17 تريليون دولار في عام 2022، ما جعلها ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وأصبحت الصين أكبر تمركز صناعي عالمي، إذ شكّل إنتاجها الصناعي أكثر من 30% من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي بحلول عام 2021، بعد أن كان لا يتجاوز نحو 5% عام 1995، ليرتفع إلى أكثر من 34% في عام 2022. كما ارتفعت صادرات الصين من أقل من 250 مليار دولار في عام 2000 إلى نحو 2.9 تريليون دولار في عام 2021. بل إن الفائض التجاري الصيني في عامي 2024–2025 تجاوز 1.2 تريليون دولار، وهو الأكبر في تاريخ الرأسمالية الحديثة. وترافق هذا التحول الصناعي مع تغير ديمغرافي وجغرافي واسع النطاق، إذ ارتفعت نسبة سكان الحضر من 36% في عام 2000 إلى 61% في عام 2024، بما يعني هجرة أكثر من 500 مليون شخص من الريف إلى المدن.

تعد الصين اليوم رائدة في مجال الابتكار والتكنولوجيا في مجالات الروبوتات والسيارات الكهربائية والمفاعلات النووية والطاقة الشمسية والطائرات بدون طيار والقطارات فائقة السرعة والذكاء الاصطناعي. أما في مجال المعادن النادرة فيقدر أن الصين تستخرج حوالي 60-70٪ من المعادن النادرة في العالم وتسيطر على حوالي 90٪ من معالجتها وتكريرها.

الإنتاج العالمي لمكونات الطاقة المتجددة (الشمسية والهوائية) 2001-2024

باقي العالمالصينالاتحاد الأوروبيالولايات المتحدةالسنة
13.10.665.121.22001
6.60.984.08.52002
18.81،161.518.52003
24.42،268.25.32004
18.12.959.719.32005
25.86.350.517.42006
14.610.348.926.22007
14.914.043.627.52008
12.021.842.723.52009
14.925.746.313.02010
13.526.647.512.42011
13.624.440.421.62012
25.437.430.66.62013
34.534.321.59.82014
26.342.918.312.52015
26.242.015.516.22016
26.948.214.610.32017
30.844.714.210.42018
33.133.721.711.62019
24.050.113.612.32020
25.142.717.814.42021
24.545.120.210.12022
15.262.415.86.62023
16.563.312.57.72024

المصدر: الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)

أكبر خمس دول منتجة للحديد الصلب 2024

الترتيبالدولة/المنطقةالإنتاج (مليون طن)النسبة من الإنتاج العالمي
1الصين1005.153.4٪
2الهند149.67.9٪
3الاتحاد الأوروبي129.56.9٪
4اليابان84.04.5٪
5الولايات المتحدة79.54.2٪

https://www.youtube.com/watch?v=Tu2qpX0kSFA

الإنتاج العالمي للروبوتات الصناعية عام 2000 وعام 2024

عام 2024 (عدد الوحدات تقريبياً)عام 2000 (عدد الوحدات تقريبياً)الدولة
أكثر من 2.000.000 أقل من 1000الصين
450.500389.000-402.200اليابان
حوالي 340.00090.000-92.900الولايات المتحدة
حوالي 260.00081.200-91.000ألمانيا
حوالي 375.00033.700كوريا الجنوبية
حوالي 4.664.000742.500-750.000الإجمالي العالمي

المصدر: International Federation of Robotics (IFR)

التصنيع العالمي: النسب المئوية خلال 1995 – 2022

المصدر: مجلة الإيكونومست البريطانية

رأسمالية الدولة في الصين

كان الخطاب الرسمي الصيني في بداية القرن يتماشى مع باقي العالم حول تحرير الأسواق والخصخصة وتشجيع القطاع الخاص والعولمة، خاصة مع انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية في 2001. ولكن الدولة الصينية لم تتراجع عن الاقتصاد، بل لعبت الدور الرئيسي في تخطيط وإدارة وملكية رأس المال خلال الربع قرن المنصرم. ففي منتصف التسعينات كانت الشركات العامة الصينية تساهم بنسبة 10٪ من إجمالي الناتج المحلي سنوياً وقد وصلت هذه النسبة إلى 25٪ في عام 2024. 

وقد صرحت الحكومة الصينية أن الشركات المملوكة للدولة هي المحرك الأساسي للإستثمارات الخارجية للصين، ويعتبر ذلك جزء من استراتيجية “التحرك إلى الخارج”. وقد كشف استطلاع سنوي للشركات الصينية المتعددة الجنسيات الكبرى قامت به جامعة كولومبيا وجامعة فودان في شنجهاي، أن 14 من أكبر 16 شركة صينية تعمل خارج الصين هي شركات مملوكة للدولة وهذه الشركات هي التي تحصل على أكبر قروض وتسهيلات مالية من بنك التنمية الصيني، وهو بدوره بنك مملوك للدولة الصينية. وقد شجعت الدولة الصينية قيام شركات عامة تحت سيطرة السلطات المحلية في مختلف الأقاليم، وقد تجاوز عدد تلك الشركات 100 ألف شركة. 

وقد أصبحت الشركات المملوكة للدولة في الصين تمثل حوالي 80٪ من الشركات غير المالية المطروحة في بورصات شينزين وشانجهاي، وهي نسبة أكبر كثيراً مما كانت عليه في نهاية التسعينات. 

 رأسمالية الدولة في الصين في القرن الحادي والعشرين لم تكن عودة لزمن ماو ورأسمالية الدولة الستالينية، بل مثلت سينغافورة في الواقع النموذج الأهم كمشروع تنموي تحت سيطرة الدولة، وليس التجربة الماوية في الخمسينات والستينات. 

وقد مثلت رأسمالية الدولة الصينية نموذجاً للعديد من دول الجنوب العالمي لعل أهمها فيتنام. وعلى الرغم من التوتر التاريخي في العلاقات بين فيتنام والصين، فقد تبنت فيتنام النموذج الصيني بالكامل. فمنذ انفتاح الاقتصاد الفيتنامي في نهاية الثمانينات، وسماح الدولة لقيام الشركات الخاصة، ودخول الاستثمارات الأجنبية، بل حتى الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، حافظت الدولة على سيطرتها على الشركات الكبرى في الصناعات الاستراتيجية بما فيها صناعة السفن والطاقة والبنوك وغيرها.

تناقضات الصعود الصيني

أدى نجاح الرأسمالية الصينية، وخاصة دور الدولة والتخطيط المركزي في ذلك النجاح، إلى تبني بعض قطاعات اليسار لتنظيرات تدعي أن الصين ليست رأسمالية بل شكل من أشكال الإشتراكية، أو على الأقل شكل إنتقالي بين الرأسمالية والإشتراكية (أنظر كتابات جون بيلامي فوستر ومجلة Monthly Review اليسارية الأمريكية). هذه التنظيرات تتجاهل التحولات الاجتماعية والطبقية التي أحدثتها ثورة الصين الصناعية.

فعلى سبيل المثال، كانت حصة الدخل القومي في الصين  قبل بدء عملية الإصلاح في عام 1978، التي تذهب إلى أعلى 10٪ من السكان تبلغ 27٪، أي ما يعادل الحصة التي تذهب إلى أدنى 50٪. وقد تغير هذا بشكل كبير في العقود التالية، وبحلول عام 2015، كانت حصة الدخل للنصف الأدنى أقل بقليل من 15٪، في حين زادت حصة العشر الأعلى إلى 41٪. وزادت حصة النخبة من الثروة الوطنية بشكل أكبر.  حيث يمتلك أعلى 10٪ دخلاً، 67٪ من الثروة، ويمتلك الأعلى 1٪ دخلاً، 30.5٪ من الثروة!

وقد أثبت فريق بحثي بقيادة الاقتصادي التقدمي توماس بيكيتي في كتاب نُشر مؤخرًا أن مستوى تركيز الثروة الخاصة في الصين (30.5٪) أصبح الآن مماثلاً تقريبًا لمستواه في الهند، وأقل قليلاً من مستواه في الولايات المتحدة، وأعلى بكثير من مستواه في أوروبا الغربية. في الهند، يمتلك أعلى 1٪ حوالي 33٪ من الثروة الخاصة، وفي الولايات المتحدة تبلغ الحصة 35 ٪، وفي أوروبا الغربية حوالي 22٪. وبالمثل، كما يشير بيكيتي ويانغ وزوكمان في ورقة بحثية أخرى، فإن العشر الأعلى في الصين يمتلك حصة من الثروة (67٪ في عام 2015) تقترب من تلك الموجودة في الولايات المتحدة (72٪) وتزيد بكثير عن تلك الموجودة في بلد مثل فرنسا (50٪).

أما فيما يتعلق بطبيعة الصين الإمبريالية، أي تنافسها الجيوسياسي مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على النفوذ والأسواق والمصادر الحيوية للطاقة والمواد الخام، فنجد بيلامي فوستر أيضاً يدافع عن الصين كقوة غير إمبريالية:

“تركز السياسة الخارجية الصينية على تعزيز حق تقرير المصير للأمم، مع معارضة الجيوسياسية التكتلية والتدخلات العسكرية. وتشكل مبادرات بكين الثلاثية، وهي مبادرة الأمن العالمي ومبادرة التنمية العالمية ومبادرة الحضارة العالمية، معاً المقترحات الرائدة للسلام العالمي في عصرنا. ولا تمتلك جمهورية الصين الشعبية سوى عدد قليل من القواعد العسكرية في الخارج، ولم تقم بأي تدخلات عسكرية خارجية، ولم تنخرط في أي حروب باستثناء تلك المتعلقة بالدفاع عن حدودها.”

هذا الكلام بعيد تماماً عن الواقع. فمن جانب التنافس العسكري، يتجاوز التسليح الصيني المتسارع حدود “الدفاع عن الحدود”، فكما أشرنا سابقاً فقد قفزت الموازنة العسكرية الصينية من مليار دولار في عام 2000 إلى 300 مليار دولار في 2024. مع الأخذ في الاعتبار أن تلك الميزانية تزيد سنوياً بنسبة 20٪.

والقدرات العسكرية الصينية لا تتعلق فقط بالميزانية، بل بقفزات في تكنولوجيا الأسلحة. وقد علقت مجلة Foreign Policy، وهي مجلة بارزة مقربة من دوائر صنع القرار في واشنطن، على أنظمة الأسلحة الجديدة المعروضة في العرض العسكري في بكين بمناسبة الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية بالاعتراف بما يلي:

“وإذا كان هناك حاجة إلى تأكيد، فإن العرض العسكري الذي أقيم في بكين في 3 سبتمبر2025 يؤكد أنه يجب إضافة التكنولوجيا العسكرية إلى هذه القائمة. لم يعد كافياً القول إن الجيش الصيني، جيش التحرير الشعبي الصيني (PLA)، يحاول اللحاق بالركب أو أنه يقلد تصميمات المعدات العسكرية الأجنبية. الصين الآن تبتكر وتقود. وفي هذه العملية، يتغير التوازن العسكري الإقليمي الذي كان لعدة عقود في صالح الولايات المتحدة وشركائها بشكل لا رجعة فيه.”

أما عن الاهتمام الصيني بتوسيع النفوذ والاستثمار خارج الصين، فقد أصبحت الصين أحد أكبر المستثمرين في دول آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. فعلى سبيل المثال كانت المملكة العربية السعودية أكبر متلقٍ للاستثمارات الصينية المباشرة في عام 2023، بحصة استثمارية في رأس المال بلغت 10٪. في آسيا، توجهت 8.4٪ من التدفقات الخارجية إلى ماليزيا، و7.5٪ إلى فيتنام، و5.2٪ إلى كازاخستان، و5٪ إلى إندونيسيا. وفي أفريقيا، اجتذب المغرب ومصر 6٪ و5.1٪ على التوالي.

وقد ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر للصين في أميركا الجنوبية من أقل من مليار دولار في عام 2000 إلى ما يقارب 150 مليار دولار في عام 2024. وفي أفريقيا، زاد الاستثمار الصيني المباشر من أقل من 5 مليارات دولار في عام 2000 إلى نحو 70 مليار دولار في عام 2024. ونتيجة لذلك، أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للقارة الأفريقية، إذ تجاوز حجم التبادل التجاري بين الجانبين 300 مليار دولار.

هذا التوسع المهول تجارياً واستثمارياً، إذا ما وضع إلى جانب القفزة في التسليح، يجعل من الصين دولة إمبريالية بالمعنى الكلاسيكي، حيث تصدر رأس المال لمختلف أنحاء العالم، وتبني قوة مسلحة مهولة، لحماية توسعها الاقتصادي هذا. أما التسميات، فهي تطرح، كما في الحالة الأمريكية والأوروبية تحت عناوين المساعدة في التنمية وغيرها من الشعارات، مثل ”مبادرة التنمية العالمية“ التي أطلقها شي جين بينغ، سعياً إلى تشكيل كتلة اقتصادية تتمحور حول الجنوب العالمي، حيث تبيع الصين الآن سلعاً أكثر من الشمال.

ويأتي مشروع البريكس وتوسعاته لخلق التحالفات الدولية الضرورية لإدارة التنافس الامبريالي الصيني- الأمريكي. من يتخيل أن تحالف بين الصين ودولة مثل إثيوبيا أو مصر هو نوع من “العالم ثالثية” أو شكل جديد لحركة عدم الانحياز، عليه النظر قليلاً للأحجام المقارنة للاقتصادات المشاركة في هذا التحالف وسيرى سريعاً أن بريكس هو محاولة لخلق ذراع اقتصادي للإمبريالية الصينية في مواجهة الولايات المتحدة وليس إلا.

عودة رأسمالية الدولة؟

عندما نشاهد “الخبراء” الاقتصاديين المصريين في برامج التوك شو، نجدهم يدافعون بدرجة من الثقة يحسدون عليها، عن نفس السياسات الليبرالية الجديدة التي كانت مهيمنة في تسعينات القرن الماضي: ضرورة تشجيع القطاع الخاص وتسريع خصخصة ما تبقى من القطاع العام وتخارج الدولة من النشاط الاقتصادي، الخ. وهذه الثقة في “إجماع واشنطن” وفي مبادئ الليبرالية الجديدة رغم تراجع غالبية دول العالم عن تلك السياسات، ورغم فشل تلك السياسات في تحقيق التنمية، ورغم ما أحدثته تلك السياسات من زيادة في التفاوت الاجتماعي وفي تركيز الثروات وفي انتشار الفقر. تحول هؤلاء الخبراء إلى دينصورات فكرية قد تجمدت قدراتهم الذهنية في تسعينات القرن الماضي.

أما في العالم الحقيقي، فقد شهد كثير من بلدان العالم، سواء الدول الرأسمالية الكبرى أو دول الجنوب العالمي، تراجعاً عن سياسات السوق الحر والخصخصة والعولمة وتبنياً لأشكال متنوعة من رأسمالية الدولة. وقبل أن نتناول تلك التحولات، ربما يكون من المفيد مراجعة تاريخ مفهوم رأسمالية الدولة، حتى نضع التغييرات الحالية في سياقها التاريخي، وحتى نكون مدققين في استخدامنا للمصطلحات.

ظهر مصطلح ومفهوم “رأسمالية الدولة” في الأدبيات الماركسية في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر. كان ذلك في سياق تحليل السياسات التي اتبعها بسمارك في ألمانيا ، حيث امتلكت الدولة الكثير من المؤسسات الصناعية، وبدأ البعض اعتبار ذلك نوع من التحول إلى الاشتراكية. وقد انتقد فريدريك إنجلز ذلك بشدة: “…أذا كان استحواذ الدولة لصناعة التبغ نوع من الاشتراكية فعلينا إذاً اعتبار نابليون وميترنيخت من مؤسسي الاشتراكية.” وقد حذر إنجلز:” الدولة الحديثة، بغض النظر عن شكلها، هي في جوهرها آلة رأسمالية – دولة الرأسماليين، التجسيد المثالي لرأس المال القومي الإجمالي. وكلما تقدمت في الاستيلاء على قوى الإنتاج، كلما أصبحت في الواقع رأسمالية قومية، وكلما زاد عدد المواطنين الذين تستغلهم” 

وقد رفض إنجلز وفيلهلم ليبنيخت فكرة “اشتراكية الدولة” بشكل كامل. الاشتراكية بالنسبة لهما كانت بالضرورة نتيجة للسلطة الاقتصادية والسياسية للبروليتاريا. ولا تأتي الاشتراكية – كليًا أو جزئيًا – بمجرد تحويل رأس المال الخاص إلى رأس مال دولة في غياب ثورة اجتماعية.

وقد ظهر المفهوم مجدداً حين قام لينين وبوخارين بتحليل ظاهرة الرأسمالية الاحتكارية وتداخلها مع الدولة في ما وصفوه بالمرحلة “الامبريالية” من تطور الرأسمالية العالمية، وكان ذلك مع بداية الحرب العالمية الأولى. وقد لاحظ بوخارين التدخل غير المسبوق للدولة في مجال العلاقات الاقتصادية: “العملية التنظيمية، والتي تستوعب المزيد والمزيد من أفرع الاقتصاد القومي من خلال إنشاء مؤسسات مندمجة ومن خلال الدور التنظيمي للبنوك، قد أدت إلى تحول كل منظومة قومية متطورة من الرأسمالية إلى رأسمالية دولة إحتكارية”. 

والدولة، طبقاً لبوخارين، “هي التنظيم الأكثر شمولية للطبقات الحاكمة، ووظيفتها الأساسية هي الحفاظ على منظومة استغلال الطبقات المضطهدة والتوسع في ذلك الاستغلال.” وقد رصد بوخارين كيف أدت الحرب إلى تكثيف وتسريع هذا الاندماج بين الدولة ورأس المال. ولم يكن لبوخارين أو للينين أي شكوك حول الطابع البرجوازي والرجعي لظاهرة رأسمالية الدولة.

أخذ التنظير الماركسي حول رأسمالية الدولة منحى جديد في بداية العشرينات حين اضطر البلاشفة تحت ضغط الأزمة الاقتصادية والحصار في أعقاب الحرب الأهلية، إلى استخدام الدولة بمنطق رأسمالي. وفي المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي في عام 1922، عبر لينين عن التناقض كالتالي:

“الدولة في مجتمعنا هذا لا تحكمها البرجوازية، بل البروليتاريا… عندما نقول ”الدولة“ فإننا نعني أنفسنا، البروليتاريا، طليعة الطبقة العاملة. رأسمالية الدولة هي الرأسمالية التي سنتمكن من كبحها، ومن تحديد مداها. هذه الرأسمالية مرتبطة بالدولة، والدولة هي العمال، الجزء المتقدم من العمال، الطليعة. نحن الدولة.” 

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية طرح عدد من الماركسيين في الحركة التروتسكية تحليلاً ماركسياً لطبيعة الاتحاد السوفيتي كان مفادها أن الاتحاد السوفيتي ليس مجتمعاً اشتراكيا والدولة فيه لم تعد دولة عمالية، بل أن البيروقراطية قد أصبحت طبقة حاكمة تدير نظام رأسمالية دولة قائم على التراكم واستغلال العمال. كان أهم من طور مثل هذه التحليلات رايا دونايفسكايا وسي.ل.ر. جيمس في أمريكا وتوني كليف في بريطانيا. 

وقد طرحت دونايفسكايا أن هزيمة الطبقة العاملة الروسية النهائية جاءت في منتصف الثلاثينات مع القضاء على البلاشفة القدامى في محاكمات موسكو. وقد تبلورت طبقة رأسمالية جديدة على أساس اندماج البيروقراطية السياسية مع الإنتلجنسيا الإنتاجية. أما توني كليف فقد طرح في كتابه “رأسمالية الدولة في روسيا” أن الثورة المضادة والتحول إلى الرأسمالية يمكن تأريخه مع الخطة الخمسية الأولى والتي أطلقت عملية تراكم أولي لرأس المال في 1928-1929.

وقد شهد العالم الرأسمالي خلال فترة الانتعاش الكبرى في الخمسينات والستينات دوراً متنامياً للدولة في إدارة الاقتصاد يفوق بمراحل ما كان موجوداً في زمن لينين وبوخارين، خاصة في الدول الأوروبية حيث شكلت دولة الرفاه والتخطيط الاقتصادي من قبل الدولة في تعاون مع الشركات الرأسمالية النموذج الأساسي في تلك الحقبة.

وبالنسبة للدول حديثة الاستقلال، كان خيار رأسمالية الدولة، عملياً هو الخيار الوحيد المتاح، وإن أخذ في غالبية الحالات رداءاً  اشتراكيا. كانت الطبقات الرأسمالية في تلك البلدان شديدة الضعف ومرتبطة عضوياً إما بدولة الاستعمار أو بكبار ملاك الأرض وبالتالي غير قادرة على قيادة عملية التنمية واللحاق بالرأسماليات المتقدمة. تدخلت الدولة لتلعب ذلك الدور من خلال خطط خمسية للتصنيع والتحديث وبناء جيش قوي وحديث وقادر على حماية الاستقلال. وأصبحت الدولة بدرجات متفاوتة تدير عملية التصنيع الرأسمالي سواء بشكل مباشر من خلال ملكية أدوات الإنتاج (مصر الناصرية) أو بشكل غير مباشر (كوريا الجنوبية) أو مختلط (الهند). وقد اعتبر البعض (كما حدث في حالة بسمارك في نهاية القرن التاسع عشر) أن هذا اتجاها تقدمياً وخطوة نحو الاشتراكية. المفكر جيمس بيتراس، علي سبيل المثال، وصف تلك السياسات كالآتي: “تبدو رأسمالية الدولة في الظرف الحالي كشكل اجتماعي صاعد يزيح النظم النيوكولونيالية التقليدية ويتفاعل مع التطلعات الاشتراكية للجماهير”.

وصلت رأسمالية الدولة في بلدان الجنوب العالمي (العالم الثالث) إلى ذروتها في السبعينات، وشهدت ثمانينات وتسعينات القرن العشرين تحولاً سريعاً تحت ضغط الأزمة الرأسمالية ونهاية حقبة الانتعاش التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتحت إشراف المؤسسات التمويلية الدولية والتي فرضت أجندة الإصلاح الاقتصادي وإجماع واشتطن والذي كان يقتدي تفكيك رأسمالية الدولة وتراجع الدولة عن التخطيط طويل المدى وخصخصة القطاع العام و”تحرير” الاقتصاد. 

ومع بداية القرن الجديد كان يبدو أن تراجع رأسمالية الدولة سواء في دول الشمال العالمي أو جنوبه قد أصبح بمثابة قانون عام وأن العولمة والليبرالية الجديدة هما مستقبل الرأسمالية على مستوى العالم. ولكن هذه الرؤية اصطدمت بواقع الكساد الكبير في 2008.  فقد كشف ذلك الكساد، ليس فقط هشاشة المنظومة المالية العالمية وضرورة تدخل الحكومات والبنوك المركزية الكبرى لإنقاذ النظام من الانهيار التام، بل كشفت أيضاً قدرة الاقتصاد الصيني على الصمود في مواجهة الانكماش الاقتصادي العالمي.  

وعلى عكس توقعات المتحمسين لليبرالية الجديدة وغيرهم من المتبنيين لفكرة “نهاية التاريخ” في أعقاب الحرب الباردة، لم تتقارب الأنظمة الرأسمالية المختلفة في العالم نحو النموذج الموحد لما يسمى “إجماع واشنطن”. على وجه الخصوص، في بعض الدول الكبرى في العالم اليوم، تلعب الدولة دورًا مهيمنًا في الإنتاج الاقتصادي وإعادة الإنتاج. وتعد الصين المثال الأكثر وضوحًا، وإن لم تكن المثال الوحيد لهذه الظاهرة.

وفي مقال في مجلة فورين أفيرز في 2009 بعنوان “صعود رأسمالية الدولة: هل هذه نهاية السوق الحر؟” كتب إيان بريمر” هناك بداية لرفض إستراتيجي من قبل كثير من الدول النامية لمبادئ حرية السوق. وقد أكدت مجلة الإيكونومست البريطانية في تعليقها على مقال بريمر: “منذ وقت ليس ببعيد، كانت الشركات المملوكة للدولة تعتبر كيانات في مرحلة انتقالية سيكتمل مصيرها بالخصخصة بشكل حتمي. ولكن مجموعة من العوامل، منها، المدخرات الضخمة في بعض الاقتصادات الناشئة والثروات النفطية وفقدان الثقة في نموذج حرية السوق، قد أدت إلى عودة ظهور رأسمالية الدولة.”

الدولة الرأسمالية

لا يمكننا تناول مسألة عودة رأسمالية الدولة بدون تحديد مسبق لما نعنيه بـ”الدولة الرأسمالية” ودورها الاقتصادي بشكل عام، أي بغض النظر عن درجة وشكل تدخلها في الاقتصاد.

تسعى الدولة الرأسمالية جاهدة للتغلب على مختلف العقبات والعوائق التي تحول دون تراكم رأس المال . من المهم إدراك أن المساحة المتاحة للدولة للمناورة فيما يتعلق بتأمين شروط التراكم هي محدودة للغاية، فهي خاضعة للشروط التي تفرضها حركة إعادة الإنتاج الموسع لرأس المال ككل إلى جانب سياق التنافس بين الدول. إذا فالدول الرأسمالية تتفاعل فيما بينها في محاولاتها لتأمين التراكم العالمي لرأس المال، وهو هدف مشترك لكل الدول. ولكنها في ذات الوقت تتنافس فيما بينها لتحسين مكانتها النسبية في سوق عالمي يتسم بدرجة عالية من عدم التساوي والهيراركية وذلك من أجل جذب الرساميل لسوقها المحلي.

لابد أن نتذكر أنه لا يوجد أي تناقض بين الدولة القوية وبين حرية السوق. بل أن السوق الحرة تتطلب دولة قوية تدعم وتسهل حركة رأس المال من جانب ومن الجانب الآخر تحمي بذراعها القمعية تلك الحرية. 

تخضع الدولة الرأسمالية إلى ضغوط متناقضة تجذبها في اتجاهات معاكسة، فمن جانب هناك شروط وضغوط المنافسة في السوق العالمي، ومن الجانب الآخر عليها إدارة الصراع الطبقي المحلي بمزيج من القمع والاقناع يسمح ببقاء السلطة السياسية. 

وعلى الدولة الرأسمالية، إلى جانب استخدامها لذراعها القمعية في السيطرة على الطبقة العاملة والفقراء أن تستخدم أدواتها الإدارية لتنظيم حركة سوق العمل، وللسيطرة على تلك القطاعات من السكان التي لا يحتاجها رأس المال بشكل مباشر كعمل مأجور (جيش العمل الاحتياطي).

إلى جانب ذلك يفترض أن تقوم الدولة الرأسمالية بتوفير شبكة من البنية التحتية والاتصالات تسهل حركة العمل ورأس المال والتكنولوجيا والمعرفة بحيث تختصر من وقت العمل الضروري إجتماعياً لإنتاج السلع والخدمات للشركات الرأسمالية. ويفترض أيضاً أن تتدخل بشكل مباشر في انقاذ الشركات الكبرى التي تتعرض لخطر الإفلاس، بما في ذلك تأميمها إذا كان ذلك ضرورياً. وهناك بالطبع المجالات التي تعتبرها الدولة ذات خطورة على المستوى الجيوستراتيجي مثل الطلقة والدفاع. والسيطرة الماشرة للدولة على تلك المجالات يصبح مسألة “أمن قومي”. 

كل ما سبق هو من المهام الأصيلة للدولة الرأسمالية أيا كانت درجة حرية السوق. ولكن عندما نتحدث عن “عودة” لرأسمالية الدولة فنحن نعني مرحلة من إعادة تشكيل وتوسيع دور الدولة في إدارة وتخطيط وملكية رأس المال. يحدث ذلك في سياق تحولات عميقة في شكل وحركة الرأسمالية العالمية.

ربما كانت أهم التحولات في نمط الإنتاج التي استدعت عودة رأسمالية الدولة هي: أولاً أزمات الطاقة وتحدي التحول من البترول والفحم والغاز إلى مصادر خضراء للطاقة وما يعنيه ذلك من مخاطر على مصالح الدول والشركات الكبرى. وثانياً التحول التكنولوجي، خاصة الذكاء الاصطناعي، والامكانيات التنافسية التي يطرحها على المستوى الصناعي والعسكري، ومن ثم تأثيره على النقطة الأولى (مسألة الطاقة). وثالثاً وكما رأينا صعود العملاق الصيني وخطورته على المصالح الأوروبية والأمريكية، خاصة في تحالفاته مع روسيا. هذا العالم الجديد، لا يمكن أن يترك فيه المستقبل لقوى السوق الحر، بل تحتاج لتركيز الإمكانيات لدى كل كتلة قومية من رأس المال، وهو هدف لا يمكن تحقيقه إلا بعودة دور مركزي ومباشر للدولة في إدارة ما يبدو أنه اتجاها نحو العسكرة والحرب.

صعود الصناديق السيادية والشركات المملوكة للدولة: عودة شركات “القطاع العام”

وفقًا لمعهد صناديق الثروة السيادية، يوجد حاليًا 176 صندوقًا من صناديق الثروة السيادية، وهو ما يمثل أكثر من ستة أضعاف العدد الذي كان موجودًا قبل 20 عامًا. وقد تضخمت الأصول التي تسيطر عليها هذه الصناديق من أقل من 1 تريليون دولار في عام 2000 إلى أكثر من 11.8 تريليون دولار في عام 2023، وهو ما يزيد عن مجموع صناديق التحوط وشركات الأسهم الخاصة. وصناديق الثروة السيادية هي مجموعة غير متجانسة، لا سيما من حيث الحجم. فبعضها، مثل صناديق الثروة السيادية في النرويج والصين، تسيطر على أصول تزيد قيمتها عن 1 تريليون دولار، في حين أن البعض الآخر يدير أقل من 1 مليار دولار. 

تنبأ منظرو الليبرالية الجديدة، بثقة مفرطة خلال تسعينات القرن الماضي، بأن الشركات المملوكة للدولة، أي ما يُعرف بالقطاع العام، لا مستقبل لها، وأنها ستختفي تدريجيًا مع تعميم سياسات السوق الحرة. غير أن ما حدث خلال العقدين الأخيرين جاء على النقيض تمامًا من هذه التوقعات. فقد ارتفعت حصة الشركات المملوكة للدولة من 10% إلى 20% من أكبر 2000 شركة في العالم منذ عام 2005. كما قفزت قيمة الأصول التي تسيطر عليها هذه الشركات من نحو 13 تريليون دولار في عام 2000 إلى حوالي 45 تريليون دولار في عام 2020، وهو ما يعادل قرابة نصف إجمالي الناتج العالمي. ووفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يوجد اليوم أكثر من 1500 شركة متعددة الجنسيات مملوكة للدولة، تمتلك كيانات تابعة لها في دول أخرى. وفي عام 2021، شكّلت هذه الشركات 132 من بين أكبر 500 شركة في العالم، مقارنة بـ32 شركة فقط في عام 2000.

يشير تقرير شارك في إعداده البنك الدولي ومرفق الاستشارات الخاصة بالبنية التحتية العامة والخاصة (PPIAF) إلى أن 83٪ من الاستثمارات في مشاريع البنية التحتية في عام 2017 كانت برعاية كيانات ترعاها الحكومة وشركات مملوكة للدولة في البلدان النامية.

تشكل الموجة الجديدة من الشركات المملوكة للدولة تنويعة واسعة من أشكال الملكية والإدارة. بعضها تمتلك الدولة فيها أغلبية الأسهم وبعضها تملك أقلية ولكن تتحكم في الأسهم الذهبية التي تعطيها حق الفيتو.

عودة التخطيط المركزي واستراتيجيات التنمية

أحد الأشكال الرئيسي لتحول جديد في دور الدولة الاقتصادي هو عودة التخطيط المركزي ووضع استراتيجيات للتنمية في حالة دول الجنوب واستراتيجيات التنافس مع الدول والتكتلات الأخرى في حالة دول الشمال.

في حالة الدول الرأسمالية الكبرى يستهدف التخطيط تعزيز ”الاقتران الاستراتيجي“ بين الشركات المحلية وسلاسل القيمة العالمية، والتنافس في القطاعات الرائدة من الناحية التكنولوجية والإنتاجية في الثورة الصناعية الرابعة (تكنولوجيا الجيل الخامس، والبيانات الضخمة، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات المتقدمة، والطاقة المتجددة، والانتقال الأخضر، وما إلى ذلك). ومن الأمثلة الحديثة على ذلك الخطط الحكومية الطموحة بشكل متزايد لتحفيز الاستثمار في تصميم وتصنيع أشباه الموصلات من الجيل التالي، بما في ذلك قانون CHIPS and Science Act في الولايات المتحدة، وقانون Chips Act الأوروبي، وقانون K-Chips Act في كوريا الجنوبية، و Made in China 2025، وبرنامج Electronique 2030 الفرنسي، والاستراتيجية الصناعية 2030 الألمانية، وبرامج مماثلة في تايوان واليابان وغيرها من الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة تكنولوجيًا. 

صممت بعض البلدان استراتيجيات صناعية وطنية كإطار عام لوضع السياسات التقنية والصناعية. على سبيل المثال، تهدف الاستراتيجية الصناعية الوطنية الألمانية 2030 إلى تطوير ما يسمى بـ ”الصناعة 4.0“ وأطلقت فرنسا مبادرة ”فرنسا 2030“ لتطوير القطاعات الاستراتيجية (السيارات والطيران والرقمية والصناعة الخضراء والتكنولوجيا الحيوية) والشركات الوطنية الرائدة. أطلقت بريطانيا على التوالي خطتين وطنيتين، هما ”الاستراتيجية الصناعية“ و”إعادة البناء بشكل أفضل“ .

وقد تم إطلاق مبادرة ”صنع في الصين 2025“ لمساعدة الشركات الصينية المملوكة للدولة والقطاع الخاص على دخول مجال التصنيع عالي التقنية . تهدف مبادرتا ”اقتصاد سنغافورة 2030“ و”الأمة الذكية“ إلى تعزيز الروبوتات والرقمنة والتخضير في سنغافورة. 

أما في حالة دول الجنوب، فعودة التخطيط المركزي مرتبط، ليس فقط بفشل سياسات الليبرالية الجديدة والتحرير الاقتصادي في تحقيق النمو المطلوب لتأمين تراكم رأس المال على المستوى المحلي، في غالبية الحالات، ولكن أيضاً لمواجهة الاضطرابات الدائمة في السوق العالمي بسبب التنافس الجيوسياسي، بين الدول الإمبريالية الكبرى، وبين الإمبرياليات الإقليمية. يتم حالياً تطبيق مثل هذا التخطيط في عشرات البلدان في أوروبا الوسطى والشرقية وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، من خطة الإكوادور الوطنية للتنمية إلى خطة السنغال الناشئة، ورؤية كينيا 2030، ورؤية إندونيسيا 2045، وتايلاند 4.0، ورؤية باكستان 2025، ومفهوم التنمية الوطنية 2050 في بولندا، ونموذج التنمية الجديد في المغرب. 

هناك تحولات في نمط الإنتاج الرأسمالي تتعلق بالصعود الصيني من جانب، وعودة رأسمالية الدولة من الجانب الآخر، وإن كان في شكل جديد، ستحتاج من اليسار الثوري إعادة قراءة نظرية لتطوير إستراتيجيات نضالية مناسبة لهذا العالم الجديد والمخيف، فنحن ندخل عالماً من الحروب والأزمات والثورات، ربما لم نشهد مثله منذ العقود الثلاث الأولى من القرن العشرين.

المصادر:

Alami, Ilias, and Adam Dixon. The Spectre of State Capitalism. Oxford: Oxford University Press, 2024.

Bukharin, Nicolai. Imperialism and the World Economy. New York: International Publishers, 1929.

Cliff, Tony. State Capitalism in Russia. London: Bookmarks Publications, 1994.

Dunayevskaya, Raya. “The Russian Question: A Debate.” 1947. https://www.marxists.org/archive/shachtma/1947/05/debate.html.

Engels, Friedrich. Socialism: Utopian and Scientific. 1880. Reprint, Moscow: Progress Publishers, 1970.

Foster, John Bellamy. “The New Denial of Imperialism on the Left.” Monthly Review 76, no. 6 (November 2024).

Hilferding, Rudolf. Finance Capital. London: Routledge and Kegan Paul, 1981.

James, C. L. R., and Raya Dunayevskaya. State Capitalism and World Revolution. 1950. Chicago: Charles H. Kerr Publishing Company, 1986.

Lenin, Vladimir I. Imperialism, the Highest Stage of Capitalism. In Selected Works. Moscow: Progress Publishers, 1963.

Liebknecht, Wilhelm. “Our Recent Congress.” 1896. https://www.marxists.org/archive/liebknecht-w/1896/08/our-congress.htm.

Petras, James. “State Capitalism and the Third World.” Development and Change 8, no. 1 (1977): 1–17.

Probsting, Michael. “One Should Not Camouflage Capitalist and Imperialist China as ‘Socialist.’” Spectre, April 2025.

Sperber, Nathan. “State Capitalism and the State-Class Nexus.” Science and Society 83, no. 3 (July 2019): 381–407.

Tooze, Adam. “Whose Century?” London Review of Books 42, no. 15 (2025).

Scroll to Top