عرض  كتاب الثورة الدائمة في السودان.. تأليف أشرف عمر

كتاب الثورة الدائمة في السودان تأليف المترجم والكاتب والفنان أشرف عمر، وصدر عام 2025 عن دار Bookmarks في بريطانيا. يتكوّن الكتاب من تسعة فصول ومقدمة، ويتناول بالتحليل تاريخ الثورات في السودان، مع تركيز خاص على ثورة 2018. وهو محاولة لتفسير المسار الذي اتخذه هذا التاريخ في ضوء الخبرات المتراكمة من تاريخ الثورات في القرن العشرين، بالاستناد إلى نظرية التطوّر المركّب والـلا متكافئ، التي يعدّها عمر الأنسب لفهم تاريخ السودان الحديث.

يعود عمر إلى التاريخ بهدف استخلاص الدروس والخبرات للمستقبل، انطلاقًا من إيمانه بأن هزيمة الثورة في السودان لم تكن حتمية، بل تكشف عن مكامن القوة والضعف في التجربة الثورية السودانية. والكتاب زاخر بالأفكار والرؤى الموجّهة للباحثين في الشأن السوداني، وللمناضلين الساعين إلى تغيير الواقع المأساوي والدموي الذي يعيشه السودان اليوم، في ظل الحرب الدموية بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، وهي حرب أجبرت نحو ربع سكان البلاد على التهجير القسري وترك بيوتهم.

مدخل لنظرية الثورة الدائمة

يبدأ عمر الفصل الأول من الكتاب بمدخل إلى نظرية الثورة الدائمة، التي صاغها المناضل الثوري ليون تروتسكي خلال ثورة 1905 في روسيا، بوصفها إطارًا تحليليًا لفهم الثورة السودانية. وهي نظرية تركز على طبيعة الثورة في البلدان المتأخرة اقتصاديًا، أي تلك التي تعاني من ضعف البنية الإنتاجية، وتخلّف المؤسسات السياسية، وغياب الديمقراطية، والخضوع للهيمنة الإمبريالية. وقد اتفقت رؤية تروتسكي في هذا الصدد مع كثير من المنظّرين الماركسيين الروس حول طبيعة الثورة التي يُفترض أن تنجز حلّ تلك المشكلات، وهي المشكلات نفسها التي عالجتها بلدان أوروبا الأكثر تقدمًا خلال ثوراتها البرجوازية، مثل الثورة الإنجليزية والأمريكية والفرنسية. وبناءً على ذلك، كان يُفترض أن تكون الثورة المقبلة ذات طابع ديمقراطي برجوازي، تهدف إلى تحقيق الديمقراطية البرلمانية، وإنجاز الإصلاح الزراعي، وتحرير الاقتصاد من التبعية. لكن ما ميّز نظرية تروتسكي هو إجابته عن سؤال محوري يتعلق بماهية الطبقة الاجتماعية القادرة على قيادة هذه الثورة.

خلافًا للتصورات السائدة آنذاك، التي افترضت أن البرجوازية الروسية هي من سيتولى قيادة الثورة لإنجاز المهام التاريخية المرتبطة بالتحول إلى النمط الرأسمالي، جادل تروتسكي بأن الطبقة العاملة هي الوحيدة المؤهلة للقيام بهذا الدور القيادي، رغم محدودية حجمها قياسًا بالمجتمع الروسي في بدايات القرن العشرين. فالطبقة البرجوازية، بحسب تروتسكي، كانت عاجزة عن قيادة التغيير أو معالجة أزمات البلاد، بسبب ارتباط مصالحها بالنظام القيصري الاستبدادي وخضوعها لنفوذ رأس المال الأجنبي، ما يجعلها طبقة محافظة. أما الطبقة العاملة فهي الأقدر على قيادة الثورة، نظرًا لتمركزها في المدن وسيطرتها على مواقع الإنتاج، مما يمنحها قوة اقتصادية تفوق حجمها العددي، إضافة إلى تنظيمها وتجانس مصالحها، بخلاف الفلاحين الذين يشكلون طبقة غير متجانسة تتباين مصالحها بتباين حجم ملكياتها الزراعية.

يرى تروتسكي أن حلّ المسألة الزراعية، ومعالجة التخلّف الاقتصادي، وكذلك القضية الوطنية، بل وحتى تحقيق الديمقراطية، يتطلّب تجاوز حدود الملكية البرجوازية. بمعنى أن إنجاز هذه المهام لا يمكن أن يتم ضمن الإطار البرجوازي التقليدي، وهو ما يدفع الثورة الديمقراطية سريعًا إلى التحوّل إلى ثورة اشتراكية. كما رأى تروتسكي أن الثورة الاشتراكية لا يمكن أن تكتمل داخل إطار وطني مغلق، إذ إن بقاءها مرهون بامتدادها إلى بلدان أخرى، وتكون بذلك الثورة دائمة، بمعنى أنها في حركة مستمرة من الطور الديمقراطي إلى الطور الاشتراكي، ومن الإطار الوطني إلى الإطار الأممي. إذ إن نجاح الثورة في أحد البلدان المتأخرة اقتصاديًا من شأنه أن يشعل اضطرابات وحركات ثورية في البلدان الرأسمالية المتقدمة، ويدفعها إلى مواجهة تناقضاتها الداخلية، مما يفتح الباب أمام انتشار الثورة على نطاق عالمي.

اختبار للنظرية

لقد أثبتت نظرية الثورة الدائمة صحتها مراتٍ عدة، بعضها إثباتٌ بالإيجاب، وبعضها إثباتٌ بالسلب. وكان أول إثباتٍ بالإيجاب ثورتَي فبراير وأكتوبر عام 1917. إذ انطلقت ثورة فبراير بفضل جماهير الطبقة العاملة والجنود وفقراء المدن، ونجحت في إسقاط الحكم القيصري، لكن الاشتراكيين الوسطيين من المناشفة والثوريين الاشتراكيين (حزب الفلاحين) دفعوا البرجوازية، التي لم تلعب دورًا في الثورة، دفعًا نحو السلطة. وبالفعل، خلال فترتي مارس–سبتمبر، تولّت السلطة حكوماتٌ مؤقتة متعاقبة تشكّلت من تحالفات بين البرجوازية وهؤلاء الاشتراكيين الوسطيين. غير أن هذه الحكومات ذات الطابع البرجوازي عجزت عن تحقيق المطالب الأساسية للثورة: الأرض، والخبز، والسلام. فقد تلكّأت في تشكيل الجمعية التأسيسية، كما ساهمت البرجوازية في تدبير محاولة انقلابٍ عسكري في أغسطس لإجهاض المسار الثوري. وأصرّت الحكومة على مواصلة الحرب العالمية الأولى حفاظًا على مصالحها المرتبطة برؤوس الأموال البريطانية والفرنسية، وامتنعت عن إعادة توزيع الأراضي الزراعية على الفلاحين بسبب تشابك مصالحها مع كبار ملاك الأراضي، مما عمّق الأزمة ومهّد الطريق لانفجار ثورة أكتوبر. وأمام عجز الحكومة المؤقتة وتردّدها، تصاعد دور السوفيتات (مجالس العمال) التي نشأت خلال أحداث الثورة، وتمكّن الحزب البلشفي من إقناع هذه المجالس بضرورة انتزاع السلطة لتحقيق أهداف الثورة. وبالفعل، قاد الحزب تنظيم الانتفاضة في أكتوبر 1917، وبدأ في تنفيذ المهام الديمقراطية التي رفعتها الجماهير: الأرض، والخبز، والسلام، ولكن على خلفية اشتراكية. وهكذا تحوّلت الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية، في سياق سعيها لتحقيق مطالبها الأساسية.

أما أول إثبات للنظرية بالسلب فجاء من فشل الثورات في أوروبا، إذ كان تروتسكي يربط نجاح الثورة الاشتراكية بامتدادها على نطاق أممي. فما إن بدأت الطبقة العاملة الروسية بالتقاط أنفاسها بعد انسحاب البلاد من الحرب، حتى واجهت هجومًا واسعًا قادته أربعة عشر جيشًا أوروبيًا، بالتنسيق مع جنرالات الجيش القيصري السابقين، بهدف محاصرة الثورة والقضاء عليها. وقد أدى هذا العدوان، الذي استمر بين عامي 1918 و1921، إلى إغلاق عدد كبير من المصانع، وانخفاض حاد في أعداد العمال نتيجة التحاقهم بالجيش الأحمر أو عودتهم إلى الريف للعمل في الزراعة. كما أن فشل الثورات الاشتراكية في الغرب في تقديم الدعم المنتظر للثورة الروسية ساهم في خلق الظروف المادية والسياسية التي مهّدت الطريق أمام صعود الستالينية، التي روّجت لنظرية الاشتراكية في بلد واحد. وهكذا جرى قبر التجربة الاشتراكية بتحوّلها إلى رأسمالية دولة.

التطوّر المركّب والـلا متكافئ في السودان

يقدّم أشرف عمر في الفصل الثاني قراءةً تحليليةً معمّقة لطبيعة التطوّر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في السودان، مستندًا إلى مفهوم “التطوّر المركّب واللّامتكافئ” كما بلوره تروتسكي، والذي يوضّح أن البلدان المتأخرة رأسماليًا لا تسير في مسار تطوّر خطّي صاعد، بل في مسار متشابك يجمع بين عناصر حديثة وأخرى تقليدية، ويُنتج تناقضات عميقة تحول دون قيام ديمقراطية مستقرة أو استقلال وطني حقيقي، إلا عبر تجاوز البنية الرأسمالية التابعة. ويُظهر الفصل أن السودان يشكّل نموذجًا واضحًا لهذا التطوّر المشوَّه الذي صنعته الرأسمالية الاستعمارية منذ القرن التاسع عشر، فأنتج مجتمعًا غير متوازن في طبقاته ومناطقه الاقتصادية وصراعاته السياسية، وولّد برجوازيةً ضعيفةً مرتبطةً برأس المال الأجنبي، وطبقةً عاملةً محدودة الحجم، مع بقاء القوى التقليدية من طوائف دينية وزعماء قبائل جزءًا من بنية السلطة والدولة الحديثة.

قبل الغزو التركي–المصري عام 1820، كان السودان خاضعًا لممالك عديدة، مثل مملكة الفونج، التي اعتمدت قوتها على نهب الفائض الزراعي والإغارة للحصول على العبيد والذهب. ومع دخول الحكم العثماني، تحوّل السودان إلى منطقة يُنهب إنتاجها الزراعي والحيواني، إضافة إلى ذهبها وصمغها وعاجها، بينما توسّع غزو الجنوب للحصول على العبيد الذين شكّلوا محورًا أساسيًا للتجارة الإقليمية. كما أُعيد تشكيل الاقتصاد تدريجيًا ليصبح مرتبطًا بالسوق العالمية، ونشأت مدن مثل الخرطوم كمراكز عسكرية وإدارية لخدمة السلطة.

واجه السودانيون الحكم الاستعماري بمقاوماتٍ عديدة انتهت بثورة المهدي عام 1881، التي أطاحت بالحكم التركي–المصري. غير أن الدولة المهدية لم تصمد أمام الغزو البريطاني عام 1898، الذي أعاد السودان إلى الاستعمار حتى الاستقلال عام 1956. ومع الاحتلال البريطاني بدأت مرحلة جديدة من الرأسمالية، أكثر تركيزًا وتخطيطًا، اعتمدت على تصدير رأس المال إلى المستعمرات لتحقيق الأرباح. وكانت كلمة السر هي القطن، الذي أصبح محور الاقتصاد الاستعماري وارتبط بصناعة النسيج البريطانية. ومع إنشاء مشروع الجزيرة عام 1924، توسّعت زراعة القطن وتوسّعت معها البنى التحتية، من سكك حديد وموانئ، لكن كل ذلك كان موجّهًا أساسًا لخدمة التصدير، لا لبناء اقتصاد وطني مستقل.

ومن هذا المسار التاريخي نشأت برجوازية سودانية “أولية” جاءت ولادتها بشكلٍ مصطنع على يد الاستعمار، لا عبر تطوّرٍ تدريجيٍّ طبيعي. تشكّلت هذه النخبة من أربع فئات أساسية: زعماء الطوائف الدينية الذين مُنحوا امتيازاتٍ وأراضيَ لضمان ولائهم، وزعماء القبائل الذين حوّلتهم بريطانيا إلى أدواتٍ للحكم غير المباشر، والتجّار المحليون الذين ارتبطوا بالتجارة العالمية، وأخيرًا الإداريون السودانيون الذين توسّعت طبقتهم بعد الاستقلال. غير أنّ هذه البرجوازية ظلّت ضعيفة وغير مستقلة، ومرتبطة عضويًا برأس المال الأجنبي، وغير قادرة على قيادة مشروعٍ وطنيٍّ للتنمية أو بناء دولةٍ حديثة.

ظلّ رأس المال الأجنبي مسيطرًا على الزراعة والتجارة والمصارف والصناعة، ولم يُغيّر الاستقلال هذا الواقع، بل توسّع نفوذه أكثر، خصوصًا بعد انقلاب عبود عام 1958، الذي فتح البلاد أمام الاستثمارات الأجنبية. وفي الصناعة، مثلًا، أظهرت إحصاءات عام 1967 أن 74% من رأس المال الصناعي كان أجنبيًا، بينما لم يتجاوز نصيب السودانيين 15%. ومع مجيء نظام نميري، حاولت الدولة انتزاع قدر من الاستقلال الاقتصادي عبر التأميم، لكنها سرعان ما تراجعت وعادت إلى سياسات الانفتاح المرتبطة بصندوق النقد الدولي، مما رسّخ تبعية الاقتصاد. ثم جاءت حكومة “الإنقاذ” بقيادة عمر البشير (1989–2019) لتُدخل السودان في مرحلة جديدة من الرأسمالية الطفيلية، اتّسمت بسيطرة الجيش والأجهزة الأمنية وقوات الدعم السريع على الاقتصاد، خاصة مع توسّع اقتصاد الذهب والشركات العسكرية.

وفي مقابل برجوازية ضعيفة وتابعة، ظهرت طبقة عاملة صغيرة نسبيًا، لكنها كثيفة ومنظَّمة في قطاعات حيوية مثل مشروع الجزيرة، والسكك الحديدية، وميناء بورتسودان، مما منحها قوة سياسية ظهرت بوضوح في ثورتي 1964 و1985، ثم في ثورة ديسمبر 2018. أمّا الفلاحون والرعاة، الذين يشكّلون الأغلبية، فقد ظلّوا مبعثرين ومهمَّشين اقتصاديًا وسياسيًا، مما قلّل من قدرتهم على لعب دور قيادي في لحظات التغيير.

كما أدّى تركّز التنمية والثروة في مناطق محدودة، مثل الخرطوم والجزيرة، وترك الأطراف، مثل الجنوب ودارفور والشرق، في فقرٍ شديد، إلى خلق تفاوتات عميقة غذّت حروبًا وصراعاتٍ أهلية استمرت لعقود. ومع ضعف البرجوازية وتبعية الاقتصاد، تضخّم جهاز الدولة، ولا سيما الجيش، ليصبح اللاعب الاقتصادي الأكبر، ممتلكًا مئات الشركات في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات والمناجم. وتوسّعت إمبراطورية قوات الدعم السريع في الذهب والتجارة والزراعة إلى درجة أصبحت معها هذه القوى الاقتصادية–العسكرية عائقًا كبيرًا أمام أي انتقال ديمقراطي، خوفًا من فقدان الامتيازات أو التعرّض للمحاسبة.

ورغم كل ذلك، فإن تناقضات التطوّر المركّب والـلا متكافئ في السودان لم تُنتج أزماتٍ فحسب، بل خلقت أيضًا فرصًا للنضال. فقد ولّد تداخل أشكال الرأسمالية بين الدولة والليبرالية الجديدة حركات مقاومة ضد الخصخصة والفساد وسيطرة الشركات الأجنبية، وربط النضال من أجل العدالة الاجتماعية بالنضال الديمقراطي وبالمعركة من أجل التحرّر من التبعية. ويشرح الكاتب كيف أن الطريق نحو ديمقراطية مستقرة واستقلال وطني حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون تجاوز البنية الرأسمالية التابعة، التي صنعت كل هذه التناقضات والأزمات عبر التاريخ السوداني الحديث.

دروس التاريخ

يعرض أشرف عمر في الفصل الثالث تحليلًا تاريخيًا وسياسيًا لكلٍّ من الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة في السودان على مدار القرن العشرين وحتى سقوط نظام عمر البشير. ويُعدّ هذا الفصل استكمالًا لشرح انعكاس التطوّر المركّب والـلا متكافئ على تطوّر البنية الاجتماعية والسياسية في السودان، حيث يهدف عمر إلى استخلاص دروس لفهم الماضي والحاضر، وتحديد إستراتيجية ثورية مستقبلية.

يستعرض الكاتب تناقضات البرجوازية السودانية، التي نشأت في ظل الاستعمار البريطاني، ومدى ارتباطها به وبرأس المال الأجنبي. إذ كان كبار ملاك الأراضي الزراعية يعارضون أي حراك مناهض لبريطانيا خلال العقود الأولى من الاستعمار، الذي وفّر لهم انتعاشًا اقتصاديًا ودرجة من الرفاه، من خلال إدخاله السكك الحديدية ووسائل النقل الحديثة والميكنة الزراعية.

اتّسم تطوّر البرجوازية السودانية أيضًا بطابعٍ مركّبٍ ولا متكافئ، إذ تحوّلت زعاماتُ طوائفَ صوفية، كالمهدية والختمية، من كبار ملاكٍ للأراضي إلى رأسماليةٍ زراعيةٍ متشابكة المصالح مع الاستعمار البريطاني. ويذكر الكاتب أن كُلًّا من عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني حَرّضا على السفر إلى إنجلترا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى لتهنئة ملك بريطانيا بالانتصار، والتعبير عن الولاء التام لبريطانيا العظمى. وقد شكّلت عائلتا المهدي والميرغني خطّين متصلين في السياسة السودانية عبر أجيالٍ متعددة من الزعامات التقليدية، ولا تزالان حاضرتين حتى اليوم، حيث تمتزج الزعامة الدينية بكونهما من كبار ملاك الأراضي، وصولًا إلى تشكيل أحزابٍ سياسية على النمط الرأسمالي الحديث، مع هيمنة واضحة لظاهرة التوريث. وفي الوقت نفسه، تشكّلت برجوازيةٌ صغيرة أسّست جمعياتٍ سياسية، مثل جمعية اللواء الأبيض عام 1923، ونظّمت مظاهرةً حاشدة في العام التالي مطالِبةً بوحدة وادي النيل والاستقلال عن بريطانيا، سقط خلالها عددٌ كبير من الضحايا. غير أن الزعامات البرجوازية التقليدية أدانت حركة اللواء الأبيض وتبرّأت منها. وفي عام 1938، استعادت الحركة الوطنية بعض عافيتها بتأسيس مؤتمر الخريجين، لكن سرعان ما دبّت الخلافات بتأثير الزعامات التقليدية (المهدية والختمية)، حيث تشكّل حزب الأشقاء المرتبط بالختمية عام 1943، الذي انقسم لاحقًا إلى حزبي الاتحاد الوطني والشعب الديمقراطي، مناديًا بوحدة وادي النيل، بينما شكّل المهدي حزب الأمة عام 1945 مناهضًا للوحدة مع مصر، وداعيًا إلى تعزيز الارتباط ببريطانيا. ويشرح عمر هذا التباين في مواقف الحزبين بوصفه انعكاسًا لتباين مصالح شرائح مختلفة من البرجوازية السودانية، بين تجّار ماشية يصدّرون أساسًا إلى مصر، ورأسماليةٍ زراعيةٍ تصدّر القطن إلى بريطانيا.

لم تسعَ البرجوازية السودانية، التي سيطرت على الحكم بعد الاستقلال عام 1956، إلى تغيير أيٍّ من البنية الاقتصادية أو الاجتماعية عمّا كان سائدًا خلال العهد الاستعماري. وواجهت تحدياتٍ ضخمةً مرتبطة بالتوترات العنيفة مع الجنوب، وكذلك التوتر مع مصر بشأن تقسيم مياه النيل. وكان هذا التوتر، وما تبعه من قرضٍ أمريكي، عاملًا رئيسيًا في تصاعد الخلاف داخل التحالف الحاكم بين حزب الشعب وحزب الأمة. وسعى رئيس الحكومة عبد الله خليل (أمين حزب الأمة) إلى تسليم السلطة للجيش بقيادة اللواء عبود في نوفمبر 1958، خوفًا من معارضة الشارع السوداني للقرض الأمريكي. وهكذا وقف قطاعٌ من البرجوازية السودانية وراء أول انقلابٍ عسكري لأسبابٍ اقتصادية مباشرة، يعددها الكتاب.

أين الطبقة العاملة؟

وهنا يتساءل الكاتب: أين هي الطبقة العاملة، وما هو دورها في الأحداث؟ يبدأ عمر الحديث عن نشأة الطبقة العاملة السودانية في ظل التحديث الرأسمالي الذي أدخله الاستعمار عبر تطوير خدمات النقل لنهب خيرات السودان من المواد الخام والقطن. وقد تمركزت أعداد كبيرة من العمال في السكك الحديدية، التي كانت الأطول في أفريقيا في ذلك الوقت. وكانت مدينة عطبرة، حيث ورش وعنابر السكك الحديدية، تضم ما يقارب 20 ألف عامل، أي نحو 40% من إجمالي عدد عمال السكك الحديد في السودان عام 1946.

نجح العمال في تنظيم أنفسهم في “هيئة شؤون العمال”، ولم تعترف بها الحكومة إلا بعد إضراب كبير استمر عشرة أيام من أجل التفاوض على الأجور في يوليو 1946. وتوالى إنشاء النقابات في السودان، التي اتحدت تحت مظلة “مؤتمر العمال”، والذي تحوّل لاحقًا عام 1950 إلى “الاتحاد العام لنقابات عمال السودان”، وتضخّمت عضويته لتصل إلى نحو 100 ألف عامل عام 1953.

وتدريجيًا، نجحت الحركة العمالية السودانية في دمج المطالب العمالية مع المطالب السياسية، مثل إنهاء الاستعمار وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره، إذ كان معظم قادة الاتحاد منخرطين في أنشطة الحركة السودانية للتحرر الوطني، التي تحوّلت لاحقًا إلى الحزب الشيوعي السوداني.

انطلقت الحركة العمالية بعد الاستقلال بقيادة النقابات من أجل تحسين أحوال الطبقة العاملة، وكان خوف البرجوازية من الطبقة العاملة وتحركاتها أحد أهم الأسباب التي دفعت قطاعًا منها إلى استدعاء الانقلاب العسكري. وبالفعل، جاء انقلاب عبود بسلسلة من الإجراءات القمعية، أبرزها حلّ النقابات ومصادرة صحفها، وجعل الإعدام عقوبةً للدعوة إلى الإضراب. واستمر اعتقال القيادات العمالية ومحاكمتهم في محاكمات عسكرية صورية. ورغم كل ذلك، لم تتوقف الحركة العمالية، بل نجح عمال عطبرة في الإضراب مرتين عامي 1959 و1961، واستمر النشاط النقابي، لكن بشكلٍ سري، حتى اندلاع الثورة في أكتوبر 1964، التي لعب فيها الطلاب والنقابات العمالية أدوارًا مركزية. وكان الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات، تحت قيادة الحزب الشيوعي السوداني في 26 أكتوبر، القشّة التي قصمت ظهر عبود، وأجبرته هو ومجلسه على التنحّي في 15 نوفمبر. وهكذا يوضّح الكاتب كيف أن الطبقة العاملة السودانية، المحدودة العدد مقارنةً بغالبية الشعب السوداني الذي يعيش في إطار علاقات إنتاج شبه إقطاعية في ظل انتشار القبلية، نجحت في لعب أدوارٍ مركزية في السياسة السودانية تفوق وزنها النسبي بين السكان، بفضل تحكّمها في مفاصل العملية الإنتاجية، وتمركزها الكثيف في المدن، مما سهّل تنظيم نفسها.

ويستعرض أشرف عمر الفترة القصيرة التي تولّى فيها الحكم تحالفٌ من أحزاب البرجوازية التقليدية (الاتحاد الديمقراطي وحزب الأمة)، إلى جانب الاتحاد الفدرالي الجنوبي ممثّلًا لجنوب السودان، والحزب الشيوعي السوداني. غير أنّ الأحزاب البرجوازية، بالتحالف مع الإخوان المسلمين، دفعت نحو طرد الحزب الشيوعي من البرلمان وحظره، وتم تعديل الدستور خصيصًا لهذا الغرض، في انتهاكٍ واضح لقيم الديمقراطية البرجوازية. وتعاقبت على الحكم خمس حكومات بعد ثورة أكتوبر 1964، كانت جميعها تعاني من الجمود والشلل التام، مما مهّد الطريق لانقلاب جعفر نميري في 25 مايو 1969.

انقلاب النميري

أعلن النميري حلَّ جميع الأحزاب، وأوقف العمل بالدستور، وفرض حالة الطوارئ، وجعل الإعدام عقوبةً للإضراب عن العمل. ويحكي الكاتب كيف أن الحزب الشيوعي السوداني تحالف مع النميري في الشهور الأولى من حكمه، ووصل ذلك إلى مشاركة الحزب في مباركة انقلابٍ عسكري ضد النميري نفسه في يوليو 1971، وهي الأحداث التي يسردها عمر بشيءٍ من التفصيل في الفصل السادس، الذي خصّصه للحديث عن أخطاء الحزب الشيوعي السوداني. استمر حكم جعفر النميري من مايو 1969 حتى الثورة عليه في أبريل 1985. واتّسم حكمه بالقمع العنيف للحركة العمالية والحركة الطلابية، وبالتوسّع في أحكام الإعدام بحق الشيوعيين بعد فشل انقلاب 1971. كما اتّسم حكمه بالتقلّب في التحالفات، من التحالف مع الشيوعيين في البداية، وتشكيل الاتحاد الاشتراكي تقليدًا لعبد الناصر، وصولًا إلى التحالف مع الإخوان المسلمين لاحقًا، وتطبيق قوانين الشريعة والحدود، مثل قطع يد السارق وجلد المتظاهرين، في ظل تدهورٍ حاد في الأحوال المعيشية للشعب السوداني، بالإضافة إلى القمع العنيف لجنوب السودان وتمرداته.

لقد استمرّ حكم النميري ما يقارب 16 عامًا، بفضل تحالفاته المتعدّدة والقمع العنيف. لكن ذلك لم يوقف الحركة العمالية والمظاهرات الطلابية عن النهوض مجددًا، هذه المرّة على يد المهنيين، حيث تصاعدت إضرابات المحامين والأطباء. وردّ النميري على ذلك بفرض الأحكام العرفية في أبريل 1984. ومع ذلك، لم تتوقف الإضرابات والمظاهرات، بل استمرت حتى إسقاطه في 6 أبريل 1985. هكذا يرصد عمر تحوّل مركز ثقل الحركة العمالية من عمّال النقل والسكك الحديدية في ثورة أكتوبر 1964 إلى المهنيين في ثورة أبريل 1985، بالتوازي مع تغيّر البنية الطبقية على مدار عقدين.

فاصل ديمقراطي وجيز

بعد سقوط النميري، عادت أحزاب البرجوازية السودانية التقليدية إلى السلطة في إطار تحالف مع الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي، الذي كان متحالفًا سابقًا مع جعفر النميري. وكانت انتخابات يونيو 1986 شاهدًا على التحوّل في الوزن النسبي لكلٍّ من الحزب الشيوعي السوداني والإخوان المسلمين مقارنة بانتخابات عام 1965. إذ شكّلت الأحزاب التقليدية الكتلتين الأكبر في البرلمان (حزب الأمة بـ100 مقعد، والاتحاد الديمقراطي بـ63 مقعدًا)، تلتها الجبهة الإسلامية بـ23 مقعدًا، بينما جاء الحزب الشيوعي في ذيل القائمة، بعدما كان يتصدرها في انتخابات 1965، التي لم يحصل فيها الإخوان سوى على مقعدين فقط. ويرجع عمر هذا التحوّل إلى الأخطاء الكارثية التي وقع فيها الحزب، كما فصّلها في الفصل السادس من الكتاب.

فشلت الحكومات المتعاقبة، بقيادة البرجوازية التقليدية، بعد ثورة أبريل 1985، في التوصّل إلى حلول للتحديات والمشكلات الاقتصادية وقضية الجنوب، فضلًا عن خضوعها التام لشروط صندوق النقد الدولي. وتعمّقت الأزمة في ظلّ تنازع الأحزاب التقليدية، ورفض الجبهة الإسلامية المشاركة في الحكومة، مع مواصلتها في الوقت نفسه تعبئة مؤيديها في الشوارع والمساجد. وهكذا قدّم الإسلاميون أنفسهم للجيش باعتبارهم التيار السياسي القادر على فرض الاستقرار في البلاد. وفي 30 يونيو 1989 وقع انقلابٌ بقيادة العقيد عمر البشير، المتحالف مع حسن الترابي.

تحالف البشير والترابي

استمر تحالف البشير والترابي ما يقارب عقد من الزمان، نجح فيها التحاف في تغير بنية الجيش السوداني بفصل الآلاف وإحلال أعضاء من الجبهة القومية محلهم. كما حل النقابات وجرم الحق في التنظيم والانضمام لمجموعة واسعة من النقابات. بالطبع أثر هذا بالسلب على الحركة العمالية، لكنها ظلت تقاوم، بالفعل نجح المهنيون في منتصف التسعينات في تنظيم إضرابات واحتجاجات واسعها، أبرزها إضراب الأطباء أبريل 1996. يصف عمر الوضع الاقتصادي في ظل هذا التحالف بأنه

لم تنجح ديكتاتورية البشير-الترابي في حل أزمة الرأسمالية السودانية، رغم التقشف والإفقار. ولأنه لا توجد حلول “إسلامية” لمشكلات الاقتصاد، فقد لجأت السلطة إلى الوصفة الموحَّدة للبنك الدولي ونفَّذت سياساتها بحماس بالغ. وبعد خمس سنوات فقط من الانقلاب، في العام 1994، ارتفعت الأسعار بنسبة 1500%، مقارنةً بأسعار 1989.

بحلول عام 1999، قرّر البشير قطع العلاقة مع حسن الترابي. ومع بداية الألفية الجديدة، تحسّن الوضع الاقتصادي نسبيًا مع تدفّق عائدات النفط السوداني، لكن مع انفصال جنوب السودان في يوليو 2011، فقد السودان نحو 75% من إنتاجه النفطي. وعالج البشير أزمته الاقتصادية بمزيد من التقشّف والقمع الأمني. ورغم المحاولات المتعدّدة للثورة على نظام عمر البشير في عامي 2012 و2013، في إطار الموجة الأولى للربيع العربي، لم يُكتب لها النجاح، وكان القمع الأمني سيّد الموقف. غير أن الوضع بدأ يتغيّر بعد نجاح الإضراب الكبير للأطباء عام 2016، وتشكُّل اللجنة المركزية لأطباء السودان، وكذلك شبكة الصحفيين السودانيين وتحالف المحامين الديمقراطيين. وبالفعل، تشكّل من هؤلاء “تجمّع المهنيين السودانيين”، إلى جانب قطاعات مهنية متعدّدة، وقاد هذا التحالف المرحلة الأولى من ثورة ديسمبر 2018 التي أسقطت عمر البشير.

لجان المقاومة

يتناول الفصل الرابع تحليل تجربة “لجان المقاومة”، إحدى أهم تجارب الديمقراطية القاعدية في الثورة السودانية. ويركّز هذا الفصل على هذه اللجان، لا على “تجمّع المهنيين”، الذي تصدّر المشهد السياسي والإعلامي أثناء تنظيم الاحتجاجات والمظاهرات ضد عمر البشير. فبينما دخل تجمّع المهنيين في مفاوضات مع العسكر انتهت بشراكة شكلية بين العسكريين والمدنيين في حكومة انتقالية لم تعش طويلًا، توسّعت لجان المقاومة في الوقت نفسه، ورسّخت وجودها، وظلّت تلعب أدوارًا ثورية في تنظيم الأنشطة الاحتجاجية حفاظًا على الثورة، ورفعت شعارات “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية” في مواجهة العسكر. وقد بلغ عدد هذه اللجان أكثر من خمسة آلاف لجنة في مختلف أنحاء السودان، وفق أحد التقديرات، منها 814 لجنة في العاصمة الخرطوم وحدها.

وُلِدت لجان المقاومة بحكم الضرورة في رحم الثورة، إذ وجد الثوار أنه لا سبيل لمواجهة آلة القمع إلا بتنظيم أنفسهم داخل الأحياء. وتطوّرت التجربة مع تزايد الأزمات، حيث تطلّب الأمر أن تقوم اللجان بتقديم بعض الخدمات الطبية، وكذلك توزيع بعض الإمدادات الغذائية. ويرجع الكاتب الانتشار الواسع لهذه اللجان وقدرتها على الاستمرار إلى تبنّيها الديمقراطية من أسفل في جميع ممارساتها، بدءًا من النقاش السياسي وتحديد الوجهة السياسية للجان، وصولًا إلى انتخاب المسؤولين والناطقين باسمها. وقدّمت هذه التجربة نموذجًا مختلفًا عن التجارب الديمقراطية التي يصفها الكاتب بـ”النخبوية والكسيحة”، والتي تبنّتها البرجوازية السودانية لفترات محدودة خلال أعوام 1956–1958، و1964–1969، وأخيرًا 1985–1989، قبل أن ينقلب عليها عمر البشير.

تجارب للديموقراطية القاعدية

يطرح أشرف عمر أسئلة حول إمكانية أن يتطوّر هذا النموذج من الديمقراطية القاعدية إلى سلطة بديلة، ويحدّد مجموعة من المحدِّدات لحدوث ذلك التحوّل. ولذا أجرى عمر مقارنةً تاريخية مع تجارب ثورية عديدة تبنّت الديمقراطية من أسفل، بهدف فهم شروط تكوينها، ومتى يمكن أن تنجح في إحداث تغيير جذري في المجتمع، بدءًا من كميونة باريس عام 1871 وحتى الثورة الإيرانية عام 1979. وينطلق في تحليله من أن تلك التجارب القاعدية وُلدت في رحم الثورات والحركات الجماهيرية الكبرى بحكم الضرورة، لا وفق تخطيطٍ مسبق، إذ إن التحديات والمعوّقات التي توضع في طريق الجماهير، وكذلك الحروب التي تشنّها الأنظمة الحاكمة والثورة المضادّة، تجعل من التنظيم والوحدة السبيل الوحيد أمام الثوار لتحقيق النجاح. وهكذا وُلدت تلك التجارب بشكلٍ يبدو عفويًا، بينما هي في الحقيقة لا يمكن أن تتحقّق إلا بتوافر الظرفين الموضوعي والذاتي، ومنهما الخبرات النضالية المتراكمة لدى الطبقة العاملة.

لقد شهدت كل ثورات السودان تنظيمات قاعدية، مثل جبهة الهيئات 1964، والتجمع النقابي 1985، وتجمع المهنيين 1918-1919. كانت تلك التنظيمات ذات طبيعة نقابية، ولم تتبنى رؤية سياسية شاملة، حيث حَصرتها طبيعتها النقابية في دور التفاوض بين العمال وأصحاب العمل. لا يرى الكاتب أن تجربة لجان المقاومة، المبنية على أساس جغرافي، أفضل حالاً من تلك التنظيمات، بل عانت من مشاكل بنيوية أيضاً، رغم نجاحها في جذب أعداد غفيرة من الجماهير في المشاركة السياسية بشكل مباشر، إلا أنها بحكم تكوينها على أساس جغرافي، تفتقر إلى المنظور الطبقي الموحد، حيث تضم الأحياء شرائح اجتماعية مختلفة من حيث الطبقة والوعي وتباين المصالح، كل هذا ينعكس بالسلب على الوحدة والتوجه السياسي للجان. كما أن اللجان الثورية في الأحياء قد تنجح في تقديم وتوفير بعض الخدمات للمواطنين في مواجهة الأزمات التي تخلقها الطبقات الحاكمة بهدف القضاء على الثورة، لكنها لن تتحول إلى سلطة حقيقية، حيث أن عجلات إدارة المجتمع ليست في الأحياء، بل في المصانع والشركات والمصالح والمؤسسات الحكومية. وهنا هو المجال الذي تستطيع فيه الطبقة العاملة أن تسيطر وتهزم فيه الطبقة الحاكمة، حيث كان لابد للجان المقاومة أن تمد الجسور مع الطبقة العاملة السودانية القادرة بقوة على تهديد سلطة القيادات العسكرية الحاكمة وهزيمتها. فالدولة تحتاج للمزيد من الخدمات اللوجستية للممارسة القمعية (كهرباء، مياه، مواصلات، البنوك لصرف مرتبات الجنود)، بدون تلك الخدمات تصاب السلطة الحاكمة بالشلل. هكذا تستطيع الطبقة العاملة أن تشل يد الدولة القمعية. ويوضح الكاتب الأمر بمثال عمال الكهرباء في مايو 2019، حيث هدد عمال الكهرباء السلطة بقطع الكهرباء عنهم في حالة عدم الإفراج عن زملائهم المعتقلين، ورضخت السلطة بالفعل مباشرة وأفرجت عنهم. وكما شارك عمال الكهرباء في الإضراب السياسي العام في مايو 2019، بهدف تسليم العسكر للسلطة، ورفعوا شعار “يا تسلمها يا نضلمها”.

يؤكّد الكاتب أن الارتكاز على الطبقة العاملة هو القادر على تطوير وتعزيز الديمقراطية القاعدية من أسفل، إذ إن تجمّع العمّال في أماكن عملهم يتمّ بصورة طبيعية وبصفة دورية. لذلك يكون العمّال قادرين على انتخاب ممثّليهم ومراقبتهم بشكل مستمر، واستبدالهم بصورة أسهل وأكثر فاعلية مقارنة بقدرة لجان الأحياء على مراقبة ومحاسبة مندوبيها. ويوضّح أشرف هذا الطرح من خلال مقارنةٍ مع تجربة انتخاب المندوبين على أساس جغرافي في كميونة باريس عام 1871، وتشكيل مجالس العمّال (السوفيتات) خلال ثورة أكتوبر 1917 في روسيا.

أوضح عمر أن نجاح الثورة السودانية مرهون بتقديم لجان المقاومة نفسها للجماهير بوصفها سلطةً بديلةً للسلطة القائمة. وهو أمر لن تأخذه الجماهير بجدية إلا إذا مارست اللجان سلطة فعلية على الأرض، لا تقتصر على توفير بعض الخدمات للمواطنين، بل تمتد إلى سلطة قادرة على إدارة المجتمع. ويتطلّب ذلك مشاركةً فعّالة من الطبقة العاملة السودانية. وتخبرنا التجارب الثورية أنه في مرحلةٍ ما يحدث ازدواجٌ للسلطة، وهي مرحلة مؤقتة بطبيعتها، إذ لا يمكن استمرار هذا الوضع طويلًا. فلا خيار عندئذٍ سوى أحد احتمالين: إمّا أن تهزم الثورة وتنظيماتها القاعدية السلطةَ القائمة وتُنشئ دولتها، أو أن تُهزم الثورة.

يشرح الكاتب أهمية استقلالية التنظيمات الثورية القاعدية من خلال تجربة “الكردونات”، أي اللجان الثورية التي تشكّلت في تشيلي عام 1973 للدفاع عن حكومة سلفادور آيندي. ويوضّح أن نجاح التجارب الثورية مرهون باستقلالية هذه التنظيمات عن قوى الدولة والسلطة القائمة. وانطلاقًا من ذلك، يحذّر عمر لجان المقاومة من خطر الانزلاق إلى تأييد قوات البرهان في مواجهة الدعم السريع، في سياق الحرب الدموية الدائرة بين الجيش السوداني بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، إذ إن الطرفين كانا شريكين في قمع الثورة السودانية وإجهاضها.

أهمية الحزب الثوري

يتناول الفصل الخامس من الكتاب أهمية الحزب الثوري في النضال الجماهيري، باعتباره السبيل الرئيسي للانتصار في مواجهة دولة رأسمالية شديدة التنظيم والمركزية، إلى جانب الوسائل الأخرى، مثل النقابات والاتحادات واللجان والصحف. فأمام الانقسامات العرقية والدينية والقبلية، وما أكثرها في السودان، لا سبيل لتوحيد المضطهدين في النضال إلا من خلال حزب ثوري يتبنّى برنامجًا يحقّق أهدافهم المشروعة. ويقدّم الفصل تطبيقًا نظريًا لفكرة الحزب الثوري بوصفه أداةً ضرورية لقيادة الثورات الجماهيرية، مع التركيز على التحديات المحدّدة التي تواجه الجماهير السودانية في توحيد نضالها وتجاوز التناقض في وعيها، وكذلك تجاوز الفجوة بين الريف والمدينة. ويتجلّى هذا التناقض في الفصل بين إنتاج الغذاء في الريف واستهلاكه في المدينة، وهو التناقض الذي لعبت عليه الحكومة الانتقالية خلال فترة الشراكة مع العسكر، حين ألغت دعم الخبز وصوّرت القرار على أنه في مصلحة أهالي الريف المنتجين للقمح، في مقابل سكان المدن المستفيدين من الدعم. أمّا النزاعات القبلية في السودان، فهي شديدة التعقيد والتركيب في ظل الصراع على المراعي والأراضي الزراعية بين القبائل، ووفق التقديرات، قُتل في عام 2022 أكثر من 900 شخص، وتم تشريد أكثر من 300 ألف آخرين بسبب تلك النزاعات. وتتمثّل الفكرة الرئيسة في هذا التحليل في أن بناء حزب اشتراكي ثوري في السودان ليس خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة مُلحّة لتوحيد الجماهير، وتجاوز التناقضات والانقسامات المختلفة، وتحقيق انتصار ثوري حقيقي.

لم تكن الحاجة إلى حزب ثوري يومًا غائبة عن تاريخ السودان، وقد شهدت البلاد محاولاتٍ متعددة لبناء تنظيمٍ قادرٍ على إنجاز مهام التحرر والديمقراطية والتغيير الاجتماعي. وتظلّ تجربة الحزب الشيوعي السوداني أبرز هذه المحاولات وأكثرها ثراءً من حيث النفوذ والتضحيات. غير أنّ مأساة الحزب الأساسية لم تكن في ضعف قاعدته أو قلّة إخلاص كوادره، بل في تبنّيه لإستراتيجيةٍ تناقض جوهر نظرية الثورة الدائمة، ما قاده مرارًا إلى إهدار لحظاتٍ ثوريةٍ حاسمة. وهو ما تناوله بالتفصيل الفصل السادس من الكتاب.

يتسهل الكاتب الفصل باقتباس مهم لليون تروتسكي:

من خدع التاريخ أنه إذا واجه مجتمعٌ مهمةً تاريخية، وكانت الطبقة المنوط بها تقليديًا إنجاز هذه المهمة غائبة، فإن مجموعةً أخرى من الناس، في الأغلب سلطة الدولة، هي التي تحقِّقها. تلعب سلطة الدولة في مثل هذه الظروف دورًا مهمًا للغاية

ينطلق عمر من هذا الاقتباس لتحليل التاريخ الطويل من الانقلابات العسكرية في السودان. فعلى مدار 71 عامًا، لم يشهد السودان سوى 11 عامًا فقط من الحكم الديمقراطي، حيث شكّل الجيش على الدوام عنصرًا حاسمًا في السياسة السودانية. وقد انقسمت التحليلات بين من يراه أداةً بيد القوى السياسية، ومن يراه قوةً مستقلةً فوق المجتمع. لكن كلا التصوّرَين يغفل العلاقة العضوية بين الجيش والدولة الرأسمالية والمصالح الطبقية، وهي علاقة لعب سوء فهمها دورًا محوريًا في انزلاقات الحزب الشيوعي اللاحقة، خاصة في تعامله مع الانقلابات العسكرية.

تبلورت الحركة الشيوعية السودانية في أربعينيات القرن الماضي في سياق النضال ضد الاستعمار البريطاني، عبر مسارين متكاملين: نشاط الطلاب السودانيين في مصر، وتأثير ماركسيين أجانب داخل السودان. وفي عام 1945 توحّدت هذه الجهود في “الحركة السودانية للتحرر الوطني – حستو”، التي توسّعت بسرعة وسط الطلاب والمثقفين، ثم ترسّخت بقوة داخل النقابات العمالية واتحادات المزارعين. وبعد الاستقلال، تحوّلت “حستو” إلى الحزب الشيوعي السوداني عام 1956، مستفيدةً من هامش ديمقراطي قصير العمر. ورغم انقلاب عبود عام 1958 وحظر الأحزاب، نجح الحزب في تعزيز نفوذه داخل الحركة العمالية، وبناء شبكة نقابية وصحفية واسعة، ما مهّد لدوره الحاسم في ثورة أكتوبر 1964.

ثورة فانقلاب ثم ثورة فانقلاب

قاد الحزب الشيوعي الإضرابَ السياسيَّ العام الذي أسقط نظام عبود، وحقق بعده مكاسبَ انتخابيةً ونقابيةً غير مسبوقة. إلا أن مشاركته في حكومة ما بعد الثورة، ذات الطابع البرجوازي، قيَّدت استقلاله ومنحت غطاءً يساريًا لاحتواء الثورة. وقد كان ذلك منسجمًا مع برنامجه القائم على “الثورة الوطنية الديمقراطية”، الذي حصر أهداف الثورة في الديمقراطية البرلمانية والتنمية الرأسمالية الوطنية، دون طرح سلطة الطبقة العاملة أو الاشتراكية.

رغم رفضه المعلن للانقلابات العسكرية، أيّد الحزب انقلاب جعفر نميري عام 1969 وشارك في حكومته، معتبرًا النظام تعبيرًا عن “برجوازية صغيرة تقدّمية” يمكن دفعها نحو الاشتراكية. وأدّى هذا التماهي إلى ربط الحزب بنظامٍ عسكريٍّ قمعي، بل وإلى تبرير سياساته، بما في ذلك قمع انتفاضة جزيرة أبا. وبلغت المأساة ذروتها بعد فشل انقلاب هاشم العطا عام 1971، حين شنّ نميري حملةً انتقامية غير مسبوقة شملت إعداماتٍ جماعية طالت قيادة الحزب، واعتقالاتٍ بالآلاف، وتدميرًا شبه كاملٍ لبنيته التنظيمية. وهكذا دفع الحزب ثمن إستراتيجية علّقت آمال التغيير على سلطة الدولة، بدلًا من الحركة الجماهيرية المستقلة.

عاد الحزب إلى العمل السري، لكنه نهض مجددًا ليشارك في ثورة أبريل 1985 ضد نميري. غير أن ضعفه التنظيمي، وتمسّكه بالتحالفات الطبقية القديمة نفسها، جعلاه عاجزًا عن التأثير الحاسم في مسار ما بعد الثورة. وسرعان ما ملأت الجبهة الإسلامية القومية الفراغ السياسي، مستفيدةً من تردّد اليسار وانقسامه.

في 30 يونيو 1989، قاد عمر البشير، بتحالفه مع الإسلاميين، انقلابًا عسكريًا جديدًا. حُظر الحزب الشيوعي مرةً أخرى، وعاد إلى العمل السري، وشارك في محاولات معارضة النظام عبر التجمّع الوطني الديمقراطي. غير أنّ القمع الشديد، وهجرة القيادات، والانقسامات الداخلية، إضافةً إلى انهيار الاتحاد السوفييتي، عمّقت أزمة الحزب وأضعفت قاعدته.

ما بعد سقوط البشير

رغم المراجعات التي طالت التراث الستاليني من حيث الشكل التنظيمي، ظلّ جوهر الإستراتيجية قائمًا: البحث عن “برجوازية وطنية” تقود التغيير. وحتى بعد ثورة ديسمبر 2018 وإسقاط البشير، واصل الحزب الدعوة إلى جبهة وطنية ديمقراطية تضم “الرأسمالية الوطنية”، متجاهلًا التناقض البنيوي بين مصالحها ومطالب الجماهير، وخوفها الدائم من الثورة من أسفل.

لم يكن الحزب الشيوعي السوداني حزبًا انتهازيًا بلا جذور، بل حزبًا عماليًا أصيلًا قدّم تضحياتٍ استثنائية وأسهم في إسقاط أنظمةٍ عسكرية متعاقبة. غير أنّ مأساته الكبرى تمثّلت في إخلاصه لإستراتيجيةٍ كبحت طاقته الثورية وربطته بتحالفاتٍ طبقية أعاقت انتقال الثورات إلى أفقها الاشتراكي. ويظلّ درس هذا التاريخ أن السودان بحاجةٍ إلى حزبٍ ثوريٍّ جديد يناضل من أجل الديمقراطية كما فعل الشيوعيون، لكن دون الارتهان لمصالح “الرأسمالية الوطنية”، رافعًا راية الثورة الدائمة وسلطة الجماهير.

الفصل السابع من الكتاب خصّصه الكاتب لتفنيد مغالطات حول نظرية الثورة الدائمة، وهي النظرية التي وضعها ليون تروتسكي قبل ما يقارب مئةً وعشرين عامًا. وقد تعرّضت هذه النظرية لانتقاداتٍ وسوء فهمٍ واسعَين، ورغم أن تروتسكي خاض نقاشاتٍ مطوّلة مع معارضيه، مدافعًا عن أفكاره ومفسّرًا تطبيقاتها، فإن القرن الحادي والعشرين يفرض ظروفًا جديدة تستدعي إعادة النظر في هذه الأفكار، ولا سيما في سياق التجربة السودانية المعاصرة.

هل انتهى دور الطبقة العاملة؟

أول اعتراض وُجِّه إلى نظرية الثورة الدائمة هو أن الطبقة العاملة فقدت قدرتها على قيادة التغيير، نتيجة التطورات الهائلة في الرأسمالية الحديثة والتكنولوجيا والعولمة. ويدّعي المعارضون أن المصانع اليوم تحتاج إلى عدد أقل من العمّال، وأن انتشار الذكاء الصناعي قلّل من أهمية العمل اليدوي، وبالتالي من الوزن السياسي للعمّال. غير أن الحقيقة هي أن العمّال لم يختفوا، بل انتقلوا جغرافيًا من البلدان الصناعية القديمة إلى مناطق جديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. فالرأسمالية ما زالت بحاجة إلى العمّال كي تدور عجلة الإنتاج والاستهلاك. ولا يمكن لرأس المال أن يحقّق أرباحه من دون أيدٍ عاملةٍ تُنتج السلع وتستهلكها في الوقت ذاته. ثم إن مفهوم الطبقة العاملة لا يقتصر على عمّال المصانع، بل يشمل كل من يعمل بأجرٍ ولا يمتلك سلطةً على عملية الإنتاج، من الموظفين والفنيين والسائقين والمعلمين، إلى من يعملون في المكاتب أمام الحواسيب.

وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية، فإن أكثر من نصف سكان العالم اليوم يعملون بأجر، أي إن أغلبية البشرية أصبحت تنتمي فعليًا إلى الطبقة العاملة. أمّا في السودان، فرغم الحروب والخصخصة والهجرة، فقد ازداد عدد العاملين في قطاعات الصناعة والخدمات، وتراجع عدد العاملين في الزراعة. فبين عامي 2010 و2021 انخفضت نسبة العاملين في الزراعة من 45.6% إلى 39.7%، بينما ارتفعت نسبة العاملين في الصناعة والخدمات من 54.4% إلى أكثر من 60%. وموقع العمّال في عملية الإنتاج هو ما يمنحهم دورهم التاريخي وقدرتهم على التنظيم والتأثير، لا عددهم. ففي روسيا عام 1917 لم تتجاوز نسبة الطبقة العاملة 5% من السكان، لكنها كانت القوة القادرة على قيادة الثورة. وكذلك في السودان، ورغم أن العمّال كانوا أقلية عددية، فقد لعبوا دورًا حاسمًا في الثورات ضد عبود ونميري والبشير.

هل تجاهل تروتسكي الفلاحين؟

اتُّهم تروتسكي بأنه يقلّل من شأن الفلاحين أو يعاديهم. لكن الواقع يؤكّد أن تروتسكي كان يرى أن الثورة من دون الفلاحين لا يمكن أن تنتصر. فالثورة العمالية لا تعني ثورة العمّال وحدهم، بل ثورة جميع المقهورين بقيادة الطبقة العاملة، لأن قوتها تنبع من اشتراك مصالحها وقدرتها على التنظيم والتضامن.

أما الفلاحين فهم طبقة غير متجانسة و يمكن ان تضارب مصالحها. ففي الريف توجد فئات متعددة:

• فلاحون أغنياء يملكون الأراضي ويشغّلون عمالًا،

• ومتوسطو الحال يعملون بأيديهم في أراضيهم الخاصة،

• وفلاحون فقراء يضطرون للعمل في أراضي غيرهم أو تأجير قوتهم البدنية.

هذا التفاوت الطبقي يمنع الفلاحين من أن يكونوا قوةً سياسيةً موحّدة أو أن يمتلكوا برنامجًا ثوريًا متماسكًا. ولهذا يبيّن تاريخ الثورات الكبرى أن الفلاحين انضمّوا دومًا إلى قوى أخرى: ففي فرنسا تبعوا البرجوازية، وفي روسيا تحالفوا مع العمّال، وفي الصين وكوبا التفّوا حول المثقفين الثوريين المسلّحين. وفي السودان، ما زال الفلاحون يمثّلون نسبةً كبيرة من السكان، ونضالاتهم مستمرّة، لكنها متفرّقة وضعيفة التنظيم. ولذلك فإنهم بحاجة إلى قيادة سياسية موحّدة، يمكن أن توفّرها الطبقة العاملة المتمركزة في المدن، إذ لا يمكن، إلا عبر تنظيمها وتبنّيها لبرنامجٍ ثوري، تحويل المطالب الاقتصادية للفلاحين إلى قوة اجتماعية ثورية شاملة.

هل تقفز النظرية على مراحل التاريخ؟

نقدٌ آخر لنظرية الثورة الدائمة هو أنها تتجاهل تسلسل التطوّر التاريخي، مفترضًا أن الدول المتأخّرة اقتصاديًا ينبغي أن تمرّ أولًا بمرحلةٍ رأسماليةٍ طويلة، وأن تخوض ثورةً برجوازيةً ديمقراطية قبل أن تفكّر في الاشتراكية. لكن تروتسكي رفض هذا المنطق “المدرسي”، مؤكّدًا أن التاريخ لا يسير في خطوطٍ مستقيمة، وأن تطوّر المجتمعات لا يتبع بالضرورة النموذج الأوروبي ذاته. ففي روسيا مثلًا، وصلت الطبقة العاملة إلى السلطة قبل أن تصبح البلاد رأسماليةً متقدّمة، لأن الرأسمالية العالمية ضغطت مراحل التطوّر في فتراتٍ وجيزة. وفي عالم اليوم، ومع العولمة والتشابك الاقتصادي، لم تعد الثورات ممكنة داخل حدودٍ وطنيةٍ ضيّقة، إذ تتأثّر كل ثورة بما يجري في النظام الرأسمالي العالمي. ولا تعني نظرية الثورة الدائمة “القفز” فوق المراحل بقدر ما تعني تجاوز حدودها التاريخية حين تعجز القوى القديمة عن إنجاز مهامها. ففي السودان، عجزت البرجوازية المدنية والعسكرية ورأس المال الأجنبي عن تحقيق المهام الوطنية والديمقراطية، كما فشلت في بناء دولةٍ حديثةٍ مستقلة. لذلك، فإن الثورة الوطنية الديمقراطية لا يمكن أن تنتصر إلا إذا انتقلت مهامها إلى الطبقة العاملة، أي داخل إطارٍ اشتراكيٍّ أوسع.

بين الثورة الوطنية والثورة الاشتراكية

تؤكّد التجارب السودانية في أعوام 1964 و1985 و2018 أن الثورات الشعبية، مهما كانت عظيمة، كانت تتوقّف عند نصف الطريق؛ إذ كانت السلطة تعود في كل مرة إلى البرجوازية أو الجيش، لتنتهي بانقلابٍ جديد. ويرجع ذلك إلى ضعف الطبقة البرجوازية السودانية، وتبعيتها الاقتصادية للخارج، وانقسامها الطائفي. من هنا تبرز أهمية نظرية الثورة الدائمة، التي ترى أن تحقيق المهام الوطنية والديمقراطية يتطلّب تجاوز الإطار البرجوازي نحو الاشتراكية. وقد شهد السودان في السنوات الأخيرة ملامح حقيقية لهذا التجاوز من خلال تجربة لجان المقاومة، التي ابتكرت شكلًا جديدًا من الديمقراطية الشعبية المباشرة. فلم تعد الديمقراطية محصورةً في برلمانٍ يمثّل الأغنياء كل بضع سنوات، بل أصبحت ممارسةً يوميةً تشاركية داخل الأحياء واللجان. وكانت تلك خطوةً نوعية إلى الأمام، بل قفزةً تاريخية غير مقصودة تجاوزت البرلمانية التقليدية، وكان يمكن أن تمثّل نواة ديمقراطية ثورية حقيقية لو تطوّرت إلى مشروعٍ سياسيٍّ منظّم تقوده الطبقة العاملة والجماهير.

هل هناك بدائل للنظرية؟

بعد ثورة أكتوبر 1917، رأى بعض المفكّرين أن استيلاء العمّال على السلطة في روسيا كان تصرّفًا متسرّعًا، وأن البديل الأنسب تمثّل في إقامة ديمقراطية برجوازية على النمط الغربي. غير أن الوقائع التاريخية أثبتت أن البديل الحقيقي لم يكن الديمقراطية، بل عودة الرجعية العسكرية بقيادة كورنيلوف، التي تصدّى لها السوفييت وأنقذوا الثورة. أي إن استيلاء العمّال على السلطة هو ما أنقذ الثورة، لا ما دمّرها.

وفي السودان، بعد ثورة ديسمبر 2018، تكرّر المشهد بصورةٍ معاكسة: فقد كانت البرجوازية ضعيفةً ومتردّدة، خائفةً من التصعيد الشعبي حفاظًا على مصالحها الاقتصادية. وعندما وقع انقلاب أكتوبر 2021، لم تواجه العسكر، بل دخلت معهم في شراكةٍ شكلية، بينما كانت لجان المقاومة هي القوة الوحيدة التي نظّمت الجماهير ورفضت التراجع. وكانت النتيجة أن الثورة توقّفت عند حدودها البرجوازية، فاستغلّ العسكر الفراغ السياسي وعادوا إلى الحكم. وبذلك تحوّل أكتوبر 2021 في السودان إلى نقيض أكتوبر 1917 في روسيا: هناك أنقذ العمّال الثورة، وهنا أضاعها ضعف البرجوازية. والدرس واضح: لا ديمقراطية حقيقية من دون ثورةٍ اشتراكيةٍ شعبية، تنبع من القاعدة الاجتماعية لا من التحالفات الفوقية. فالثورات التي تتوقّف عند الإصلاح البرجوازي محكومٌ عليها بالارتداد إلى الدكتاتورية من جديد.

إن نظرية الثورة الدائمة منهجٌ لتحليل الواقع وبناء الاستراتيجية الثورية. فهي تذكّرنا بأن المهام الوطنية والديمقراطية لا تكتمل إلا إذا تحوّلت إلى نضالٍ اجتماعيٍّ جذري من أجل العدالة والمساواة. وفي زمنٍ تتجدّد فيه أزمات الرأسمالية، تظلّ نظرية تروتسكي تذكيرًا بأن التحرّر يُنتزع من تحت، وأن الديمقراطية الحقيقية هي مشاركة الشعوب في صنع مصيرها.

في الفصل الثامن يستكمل الكاتب تطبيق نظرية الثورة الدائمة على الواقع السوداني، مع التركيز على مفهوم الأممية بوصفها شرطًا ضروريًا لنجاح الثورة الاشتراكية في بلدٍ متأخّر مثل السودان. ويضرب أمثلة على صحة هذه النظرية من خلال تجربة الثورة الروسية عام 1917، وتحليل تداعياتها على الأوضاع في أوروبا. ويُقدّم الفصل بعد ذلك تحليلًا معاصرًا يُظهر أن النظام الرأسمالي العالمي، رغم قوته في عصر العولمة، يحمل في طيّاته عوامل تُتيح انتشار الثورة، مثل الترابط الاقتصادي وتسارع وسائل الاتصال. ويُبرز الفصل أن الأزمات الاقتصادية العالمية تُسهم في تفجير الثورات، وتُمكّن من انتقالها عبر الحدود. ثم يُقدّم مثالًا تطبيقيًا من السودان، حيث جاءت الثورة السودانية (2019–2023) وحيدة بعد فشل ثورات الربيع العربي. وهنا تتجلّى مأساة الثورة السودانية، إذ إن غياب المدّ الثوري عالميًا أو إقليميًا جعلها معزولة، مما سهّل التدخّلات الإقليمية من حكومات مصر والسعودية، ولا سيما الإمارات، التي تموّل حاليًا ميليشيا الدعم السريع، بما يسهم في تقسيم السودان وتفتيته، إلى حدّ التسبّب في ارتكاب إبادة جماعية في مناطق عدّة من البلاد.

المقومات الست للثورة الدائمة

أمّا الفصل الأخير فيتضمّن تلخيصًا للمقوّمات الست للثورة الدائمة، وتطبيقها على الثورة السودانية. وفي حالة السودان تحقّقت إحدى هذه المقوّمات بشكل واضح، وتحقّق اثنان منها بشكل جزئي، بينما لم تتحقّق المقوّمات الثلاثة الأخرى. أمّا المقوّم الذي تحقّق فهو ضعف البرجوازية في البلدان المتأخّرة وعجزها عن تقديم حلول ثورية. فهذه البرجوازية لا تستطيع التفريط في الاستقرار أو في رؤوس الأموال الأجنبية، وستسعى دائمًا إلى تصفية الثورة. وما تحقّق جزئيًا هو أولًا: الدور الحاسم للطبقة العاملة في الثورة؛ فقد نجحت في السودان في أن تكون في قلب الصراع، لكنها لم تنتزع السلطة كما تفترض النظرية. ثانيًا: عجز الفلاحين عن القيام بدور سياسي مستقل، وبالتالي تبعيتهم لبرنامج الطبقة العاملة. إلا أن هذه التبعية لم تتحقّق كاملًا بسبب عدم انتزاع الطبقة العاملة للسلطة لتطبيق برنامجها. أمّا المقوّمات الثلاثة التي لم تتحقّق فهي: نضوج الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية، وانتشار الثورة عالميًا، ثم انتصار الثورة عبر هذا الانتشار.

القيمة الحقيقية لنظرية الثورة الدائمة تكمن في كونها إستراتيجية، لا نبوءةً ولا حتمية. فهي إستراتيجية يُختَبَر دورها في التغيير عبر التجربة. وفي حالة السودان، تبدو التجربة وكأنها تدعم النظرية بالمقلوب؛ إذ إن عدم تطبيق هذه الإستراتيجية هو ما أدّى إلى هزيمة الثورة. وتضمّ النظرية جانبين: جانبًا موضوعيًا يتعلّق بظروف الطبقات الرأسمالية والعمالية والزراعية في البلدان المتأخّرة إنتاجيًا، وجانبًا ذاتيًا يتعلّق بالفعل الثوري. فالتفاعل الثوري من جانب الطبقة العاملة والحزب الثوري شرطٌ لنجاح الإستراتيجية. ويعود قصور الجانب الذاتي التفاعلي في النظرية إلى ضبابية موقف تروتسكي نفسه تجاه الحزب الثوري عند صياغتها، لكنه عاد وصحّح هذا الموقف بعد تجربة ثورة 1917، مؤكّدًا أهمية الحزب الثوري في النهوض بالطبقة تدريجيًا لحسم المعركة.

تغدو استراتيجية الثورة الدائمة، في هذه الحالة، ضرورةً لا لتحقيق الأهداف الاشتراكية فحسب، بل أيضًا لتحقيق الأهداف الديمقراطية والوطنية في البلدان المتأخّرة. ويعود ذلك إلى أن الطبقة العاملة وحدها هي القادرة على إنجاز هذه الأهداف، في ظلّ ضعف البرجوازية وذعرها من تصاعد نضال الجماهير، وهو ما يدفعها إلى خيانة الثورة. أمّا الفلاحون، فبحكم تشتّتهم وتنوّع ملكياتهم وتباين مصالحهم الطبقية، فهم غير قادرين على قيادة الثورة.

ومهما كانت شعارات الثورة، فلن تستطيع الطبقة العاملة تحقيقها إلا عبر تبنّي سياسات اشتراكية؛ فالهروب يكون إلى الأمام، لأن البقاء في المكان نفسه يعني الارتداد وفتح الطريق لانقضاض البرجوازية على الثورة لتصفيتها. ومن أمثلة هذه المطالب، مطلب حماية الاقتصاد الوطني. فبحلول عام 2024، توقّف 24% من مصانع السودان في القطاعات المُسجَّلة بسبب هروب رؤوس الأموال. وهنا بات أمام العمّال خياران فقط: إمّا الاستيلاء على المصانع وإدارتها ذاتيًا بوصف ذلك سياسةً اشتراكيةً لحماية الاقتصاد الوطني، أو الاستسلام لتوجيه ضربةٍ قاتلةٍ لهذا الاقتصاد. وهكذا، فإن تحقيق هذا المطلب “الوطني” يقتضي بالضرورة اتباع أساليب اشتراكية؛ وبعبارة أخرى، فإن تحقيق مطلبٍ “برجوازي” يستلزم تجاوز مصالح البرجوازية نفسها.

كذلك يمثّل البُعد الأممي وانتشار الثورة عالميًا ضرورةً لا لبقاء الطبقة العاملة فحسب، بل لتحقيق المطالب الديمقراطية للثورة نفسها. فالاستراتيجية ضرورةٌ لانتزاع الديمقراطية في صورتها الاشتراكية. وهو مسارٌ شاقٌّ وغير مضمون، لكنه ضروريٌّ ولا مفرّ منه.

ولا بدّ من بناء الحزب الثوري الذي يستخلص دروس الماضي المؤلمة ويناضل نحو المستقبل.

كاتب

Scroll to Top