
في هذا الكتاب الذي ألفه الكاتب الماركسي البريطاني تيري إيجلتون، وترجمه إلى العربية الدكتور غانم هنا لتصدر طبعته العربية في العام 2013 عن دار “الكتاب العربي” ببيروت، يتابع إيجلتون فهم ماركس لماركسيته ورصد ما فهمه أتباعه وخصومه على السواء، مُقارنًا نصوص كارل ماركس بنصوصهم، ومُفندًا تأويلاتهم التي ذهبت في كثير من الأحيان إلى تشويه أفكار ذلك الاقتصادي والفيلسوف الثوري.
بلغةٍ بالغة الدقة والإيجاز، وساخرة ولاذعة النقد في بعض المواضع، يتناول إيجلتون في عشرة فصول، مقسَّمين عبر 193 صفحة، أبرز الانتقادات الموجَّهة لماركس، من أجل الرد عليها، ساعيًا خلال ذلك إلى تبديد التشويه وسوء الفهم المتعلقين بالأفكار الماركسية.
في السطور التالية، نلخص الانتقادات التي أفردها إيجلتون، والتي هي رائجة سواء في الأكاديميا أو الإعلام أو الأفكار العادية المتداولة، ونعرض كذلك لردود إيجلتون عليها من قراءته لأفكار ماركس.
1. الماركسية انتهت
يقول أصحاب هذا الانتقاد إن الماركسية ربما كانت ملائمة لعالم مصانع النسيج والمناجم، لكنها لم تعد كذلك بالنسبة للمجتمعات الحديثة في الأربعين أو الخمسين سنة الماضية.
صعد هذا النقد منذ أواخر السبعينيات، تلك الفترة التي شهدت تحولًا في الدول الغربية من الصناعة التقليدية (التي انتقلت إلى بلدان أخرى) إلى “ما بعد النهضة الصناعية”، حيث وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وتنامي القطاعات الخدمية. أصبحت المنشآت الاقتصادية لا مركزية وسريعة التحول، والأسواق غير خاضعة للأنظمة وذات طابع عالمي، والحركة العمالية تحت هجوم تشريعي وسياسي وحشي ومتواصل.
لكن الوجه الآخر لذلك هو أن صار رأس المال أكثر شراسة والأزمات الاقتصادية أعنف وأعمق، والتفاوتات الطبقية أكثر اتساعًا، والحروب من أجل الأرباح والنفوذ الجيوسياسي أكثر دمويةً وتكرارًا، والتهديد بالإبادة النووية أكثر وشوكًا، ومظاهر الاضطهاد أكثر تنوعًا وانتشارًا. وهذا بالذات ما يمنح الماركسية المزيد من الحيوية والضرورة، إذ أنها لا توجِّه نقدها للأشكال الرأسمالية وتغيراتها فحسب، بل الأهم هو نقدها للركائز الأساسية التي تقوم عليها الرأسمالية ولا يمكنها العيش بدونها: الاقتصاد السلعي، والعمل المأجور، وصنمية السلعة، والاستهلاكية، والسعي المحموم لمراكمة الأرباح ورؤوس الأموال، والتنافس الذي لا يعرف حدودًا.
يتساءل إيجلتون ساخرًا ماذا حدث لنقد ماركس لتلك الركائز الرأسمالية القائمة إلى اليوم، ذلك النقد الذي يتجاهله معارضو الماركسية وخصومها؟ “هل عثرنا على مخطوط لماركس يعترف فيه أن كل ما كتبه كان نكتة؟”. على العكس، لأن ماركس يتناول جوهر الرأسمالية، فإن الحاجة إلى أفكاره تزداد ضرورةً وإلحاحًا طالما هيمن رأس المال على عالمنا، مهما تغيرت أشكال هذه الهيمنة. وما كان يُنظَر إليه في الماركسية على أنه خيال نبوئي، صار الآن أكثر واقعية، والشعار التقليدي لدى اليسار “الاشتراكية أو البربرية” لم يكن يومًا أكثر ملاءمةً مما هو اليوم.
2. كارثية التطبيق
ثاني الانتقادات هو ما يُقال عن الماركسية بأنها ربما تكون ممتازة في النظرية، لكنها في التطبيق العملي كانت تعني استبدادًا وإبادة جماعية ومجاعات.
تقوم هذه الرؤية على تجارب لم تكن تمثل الاشتراكية عن الأصل. كانت هناك فظائع في الاتحاد السوفيتي مثلًا منذ منتصف العشرينيات، وفي الصين لسنواتٍ طويلة بعد ثورة ماو تسي تونج في 1949، لكن هذه التجارب رمت إلى أهداف مختلفة تمامًا عن الاشتراكية في نظر ماركس (أو حتى الاشتراكية قبل ماركس). سعت هذه التجارب إلى مراكمة رؤوس أموال كبرى لصالح الدولة، ولأنها قامت على قاعدةٍ اقتصادية ضعيفة ومتأخرة، فقد جاء هذا الهدف على حساب الاحتياجات البشرية المباشرة لمواطنيها. هذه صورة مقلوبة تمامًا للاشتراكية التي تعطي الأولوية القصوى لاحتياجات البشر وإشباعها.
اتبعت هذه التجارب الأساليب الرأسمالية نفسها للدول الأخرى التي تنافسها، حيث الاستغلال والإنتاج لخدمة المنافسة، مما تطلب بدوره دولةً ديكتاتورية وشديدة القمعية لتسريع اعتصار العمال. وهذا بالأساس ما جعلها أنظمة رأسمالية لصالح الدولة وبإدارتها، أي أنظمة “رأسمالية دولة”.
بالطبع جرى ذلك دون مشاركة جماهيرية تُذكر في هياكل السلطة، على عكس السنوات الأولى من الثورة الاشتراكية في روسيا 1917، التي حكمت فيها سوفيتات (مجالس) العمال والجنود والفلاحين، قبل أن تنهار هذه المجالس إثر الغزو الأجنبي والأزمات العنيفة جرائه، خاصة في بلدٍ كان متأخرًا كثيرًا عن أوروبا مثلًا.
الحق في هذه التجارب، رغم كل شيء، جلبت تقدمًا اقتصاديًا جبارًا في عقود قصيرة، لكن ذلك جاء على حساب ملايين من الناس. هنا يتساءل إيجلتون؛ أليس ذلك هو ما فعلته الرأسمالية نفسها ومازالت تفعله؟ حققت الرأسمالية ازدهارًا كبيرًا لبعض دول العالم، لكنها فعلت ذلك، كما فعل ستالين وماو، بكلفة بشرية مذهلة. في بدايات النظام الرأسمالي، كان هذا يعني الإبادة الجماعية والمجاعات وميلاد الإمبريالية وتجارة العبيد.
ويستشهد إيجلتون بكتاب مايك ديفيس “المحرقة في أواخر العصر الفيكتوري”، الذي يتحدث فيه عن عشرات الملايين من الهنود والأفارقة وسكان الصين والبرازيل وكوريا وروسيا، الذين قضوا نحبهم في المجاعات التي كان يمكن تفاديها بالكامل في أواخر القرن التاسع عشر. نتجت كوارث كهذه من عقيدة السوق الحرة التي دفعت بأسعار الطعام فوق متناول الناس العاديين.
وحتى يومنا هذا، ما يزال النظام الرأسمالي العالمي يبرهن على أنه غير قادر على توليد أي ازدهار دون أن تكون إلى جانبه مساحات شاسعة من الحرمان. ما يزال الجوع والتفاوت الطبقي فائقًا وفي اتساع مُطرَد. وما يزال اقتصاديو العالم الرأسمالي يصرون على اعتبار هذه الكوارث مجرد أعراض جانبية، ومصممين في المقابل على ربط جرائم الستالينية والماوية بماركس والاشتراكية.
3. حتمية التاريخ
يُشاع القول في هذا النقد إن ماركس آمن بقوانين حديدية لحركة التاريخ، بحيث سيأتي الوقت الذي تُخلي فيه الرأسمالية الطريق أمام الاشتراكية حتمًا، بشكل قدري ينساق فيه الناس، الذين هم مجرد أدوات لحركة التاريخ.
ترسَّخت هذه الفكرة لدى الكثير من فصائل اليسار على مرِّ التاريخ، لا سيما اليسار الستاليني والاشتراكي الديمقراطي. لكن الحقيقة أن ماركس نفسه كان خصمًا عنيدًا لهذا الاتجاه.
تصوِّر الحتمية التاريخ كقطار سريع ينطلق بقوةٍ خفية خارجة عن إرادة البشر حتى محطته الأخيرة، وهي الاشتراكية. يستند إيجلتون إلى أفكار ماركس الأصلية، ويشرح أن “الرأسمالية ربما تترنح لدرجة الهلاك، لكن ذلك لا يعني أن الاشتراكية هي التي ستحل محلها. ربما الفاشية أو البربرية”. المشكلة إذًا تتعلق بـ”فرملة” هذا القطار، الذي ربما يفضي إلى فناء البشرية من الأصل بالإبادة النووية أو الانهيار البيئي، وإعادة توجيه القطار إلى مسارٍ آخر قد يؤول إلى الاشتراكية.
بالطبع تقدم فكرة الحتمية نوعًا من العزاء والمواساة للمناضلين، بالأخص في فترات الهزيمة والإحباط، بأن حركة التاريخ في النهاية تصب في مصلحتنا “بالتأكيد”. لكن لو كانت الاشتراكية حتمية فعلًا، فقد يحسب المرء أننا لسنا بحاجة إلا إلى انتظار وصولها، فتصبح الحتمية بذلك “وصفة للاسترخاء السياسي”. وللأسف لعبت هذه الفكرة -الدخيلة على الماركسية- دورًا رئيسًا في فشل الحركة الشيوعية في محاربة الفاشية في ثلاثينيات القرن العشرين، فبناءً عليها أكد الشيوعيون أن الفاشية ليست سوى حشرجة الموت الأخيرة للنظام الرأسمالي. ووقف هذا التحليل الخاطئ وراء تساهل الشيوعيين في النضال (ومتطلباته آنذاك بالتحالف مع القوى العمالية الأخرى)، وبالتالي الانتصار السهل للفاشية، بالأخص في ألمانيا.
لو كانت الاشتراكية حتمية فعلًا، لماذا إذًا ألحَّ ماركس بتشديد بالغ على ضرورة النضال السياسي؟ يحتل الصراع الطبقي كمحرِّك للتاريخ ركنًا ركيزًا في الفكر الماركسي، ويفترض بطبيعة الحال فاعلية ونشاط الطبقات المتصارعة، ويتحدَّد انتصار الطبقة العاملة في هذا الصراع بظروفٍ موضوعية عامة، لكن أيضًا بشروطٍ ذاتية خاصة تتعلق بقوة الطبقة العاملة وقدرتها على تنظيم نفسها وإفراز قياداتها وإستراتجيتها السياسية. وكلُّ هذه شروطٌ تدور حول إرادة العمال أنفسهم. لو كانت الاشتراكية حتمية، لكانت الماركسية نظرية تحليلية سلبية وليست مرشدًا فاعلًا للنضال، مثلما يفترض ماركس.
كان الاتجاه الذي فكر فيه ماركس هو أن فشل الرأسمالية وأزماتها يفتحون الباب أمام جماهير الطبقة العاملة لكي يدركوا ضرورة تغيير النظام، وأن هذا التغيير يصب في مصلحتهم، وأن بإمكانهم فعل ذلك نظرًا لموقعهم في الإنتاج ومحورية دورهم الاجتماعي. ولا يجري هذا بصورةٍ آلية، بل بإرادةٍ بشرية أولى لها ماركس الكثير من الاهتمام في كتاباته. صحيح أن الناس يُولدون في ظل ظروفٍ لا يختارونها بأنفسهم، وبدورها تؤثر على أفكارهم ووعيهم وتضع عراقيل أمام تحررهم، لكن ضغوط هذه الظروف تؤهلهم لتغييرها، وتغيير مسار التاريخ، فقط من خلال قرارهم الجماعي وإرادتهم الجماعية.
4. الطوباوية
يُتَّهم ماركس عادةً بوضع تصورات خيالية ليوتوبيا تسمى المجتمع الاشتراكي. لكن الجدير بالملاحظة في أعمال ماركس كافة هو أنها لا تحتوي إلا القليل جدًا حول كيف سيبدو المجتمع الاشتراكي. فقط بعض الملامح العامة.
يقول إيجلتون إن ثمة أسبابًا كثيرة لقلة حديث ماركس عن المستقبل، أولها أن المستقبل غير موجود الآن، لذا فإن “صياغة صور دقيقة عنه تكون نوعًا من الكذب”. يعطي التنبؤ بالمستقبل المشرق دائمًا إحساسًا زائفًا بالأمان، مما يحث على “الاسترخاء السياسي” كما أشرنا في السطور السابقة. لم يكن ماركس في الأخير عرَّافًا أو كاشفًا للغيب.
ثانيًا، يؤدي الاستغراق في وضع مخططات تفصيلية لمجتمع مستقبلي إلى تشتيتٍ عن المهمات السياسية الراهنة. وثالثًا، لم يضع ماركس تصورات دقيقة عن المستقبل لأن في عصره، ومن قبله، كانت هناك الكثير من هذه التصورات، التي وضعها اشتراكيون مثاليون غارقون في الخيال. كان الفرنسي سيمون فورييه على سبيل المثال يتصور مجتمعًا مثاليًا من وحداتٍ تتكون الواحدة منها من 1620 شخصًا بالضبط، ويتخيل أن المجتمع الاشتراكي سيكون بإمكانه تحويل البحر إلى “ليمونادا”!
وأخيرًا، آمن ماركس بأن المستقبل سيكون من صنع الناس أنفسهم، في ظل ظروفٍ تطلق العنان لإبداعهم. بالطبع آمن بأن سلطة طبقية مختلفة، وهي سلطة الطبقة العاملة، وهي التي ستنقلنا من الرأسمالية إلى الاشتراكية. لكنه لم يتمكن من وضع شكل محدَّد لهذه السلطة، إلى أن قامت “كوميونة باريس” (1871) والتي رسمت له ملامح هذه السلطة، التي درسها وأرسى إطارًا نظريًا لها.
كان إبداع مناضلي الكوميونة في انتخاب مندوبيهم، مع حق استبدالهم وقتما شاءوا وعدم منحهم أي امتيازات تعزلهم عنهم، هو ما أضاء لماركس جانبًا نظريًا شديد الأهمية كهذا.
انصبَّ التركيز الأساس لماركس على التحليل العلمي لآليات عمل النظام الرأسمالي وكيفية الانتقال الثوري من مجتمع الاستغلال والاضطهاد والحرب إلى مجتمع العدالة والإخاء والسلام. أي أن ماركس انطلق من حاضرٍ الرأسمالية وواقعها. لكنه كان ضد أمرين نقيضين في هذا الشأن. أولًا، كان ضد “استمرارية” النظام الرأسمالي بطبيعة الحال، لكنه -ثانيًا- كان أيضًا ضد “القطيعة التامة” معه، إذ ستقوم الاشتراكية على أساس القاعدة الاقتصادية والتقدم التقني الذي أحرزه البشر في ظل الرأسمالية، لكن بدون علاقات استغلالية وتنافس محموم وتوزيع غير متكافئ للثروة الاجتماعية، ومن دون تفاوت طبقي وتدمير القيم الإنسانية أمام صنمية السلعة.
من ناحية أخرى، يعارض كثيرون الاشتراكية بزعم أنها متعارضة مع طبيعة البشر القائمة على المنافسة والأنانية والعنف. لقد أوضح ماركس في المجلد الأول من “رأس المال” أن الطبيعة البشرية نفسها تتبدَّل مع المراحل التاريخية، فصحيح أن التاريخ شهد الكثير من الظلم والتنازع، إلا أنه أيضًا شهد الكثير من التضامن والإخاء، وإلا لما كانت هناك أسماءٌ لمثل هذه الأشياء.
يقول إيجلتون إن هذا لا يعني أن البشر سيتحولون في ظل الاشتراكية إلى ملائكة، لكن على الأقل سيكف الطمع والأنانية والمنافسة والعنف عن أن يكونوا سياسات طبقية في مجتمع تسيطر فيه القلة المميزة على السلطة والثروة. وبهذا ستقدم الاشتراكية القاعدة المادية (الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية) التي يمكن للبشر بناءً عليها أن يفرزوا بعضًا من أفضل ما لديهم. لم يكن ماركس تعنيه الرؤى الشعرية عن السلام والأخوة، بل الشروط المادية التي قد تسمح لمستقبل بشري حقًا بأن يظهر فعليًا.
5. اختفاء الطبقة العاملة
تراهن الماركسية في التغيير الثوري للمجتمع على الطبقة العاملة، لكن بنية المجتمعات قد تغيرت الآن عن أيام ماركس، واختفت الماركسية من دون أثر. ولعل هذا أحد أقوى الاعتراضات الشائعة على الماركسية. سيكون هذا الاعتراض محقًا بالتأكيد، ولو حتى جزيئًا فقط، في حالة واحدة فقط هي إذا كانت الطبقة العاملة تعني حصرًا عمال الصناعة ذوي الياقات الزرقاء. فقد انخفضت أعداد هؤلاء العمال بالفعل في الكثير من دول عالم (رغم أن هذه الأعداد ارتفعت في بلدان أخرى).
لكن حتى ماركس نفسه لم يكن يعتبر أن عليك أن تعمل عملًا يدويًا لكي تكون من الطبقة العاملة. في زمنه، لم تكن أكبر فئة من العاملين بأجر هم عمال الصناعة، بل كان خدم وخادمات البيوت يفوقونهم عددًا. في كتاب “رأس المال” مثلًا يصنف ماركس عمال التجارة على نفس مستوى عمال الصناعة، ويرفض أن يكون العامل “البروليتاري” هو فقط من ينتج شيئًا مباشرًا بيديه. الطبقة العاملة بالأحرى تضم جميع أولئك الذين هم مجبرون على بيع قوة عملهم لرأس المال، وليس لهم أية رقابة على شروط عملهم أو سلطة اتخاذ قرار في عملية الإنتاج. بهذا المعنى تضم الطبقة العاملة العاملين بالخدمات والأعمال المكتبية وغيرهم الكثير. وبهذا المعنى أيضًا، لم تتقلص صفوف الطبقة العاملة، بل “أصبحت البروليتاريا العالمية أكبر من أي وقتٍ مضى”، على حد وصف عالم الجغرافيا ديڤيد هارڤي.
تعتبر الماركسية الطبقة العاملة رافعة التغيير الثوري للمجتمع الرأسمالي، ليس لأنها الأكثر عُرضة للاستغلال أو الأكثر استضعافًا، فهناك من هم أكثر استضعافًا من العامل العادي (الطلاب أو اللاجئون أو كبار السن مثلًا). بل تضع الماركسية رهانها على هذه الطبقة لأنها موجودة داخل المنظومة الرأسمالية، ومتآلفة مع أساليب العمل فيها، ومنظمة داخلها في قوة عمل جماعية، وتستطيع وفقًا لذلك أن تتولى زمام أمورها وإدارتها بصورة ديمقراطية مختلفة لصالح الجميع في المجتمع، على عكس إدارتها لصالح الرأسماليين.
ومع ذلك، يقول إيجلتون إنه “لا يوجد اشتراكي يحترم نفسه يعتقد أن الطبقة العاملة يمكنها إسقاط الرأسمالية بقوتها هي وحدها”، بل بتكوين تحالفات سياسية ضمن هذه المهمة المهيبة. كان قصد البلاشفة الروس مثلًا هو أن يشكِّلوا جبهة موحدة تقود فيها الطبقة العاملة فقراء الفلاحين والجنود والبحارة وغيرهم، وهذا ما حدث في الثورة الروسية 1917.
6. الهوس بالاقتصاد
يُقال هنا إن الماركسية تُحوِّل كل سيء إلى الاقتصاد. الفن والقانون والأفكار والتغيير الاجتماعي، كل ذلك تختزله الماركسية إلى مجرد انعكاس للوضع الاقتصادي.
هل هذا نقد فعلًا؟ إن الادعاء بأن كل شيء يعود إلى الاقتصاد هو بالتأكيد أمر بديهي يصعُب التشكيك فيه. فقبل أن نفعل أي شيء، نحن بحاجة أولًا إلى أن نأكل ونشرب ونلبس ونسكن. يقول ماركس وإنجلز في “الأيديولوجيا الألمانية”: “إن أول فعل تاريخي هو إنتاج وسائل إشباع احتياجاتنا المادية. عندئذٍ فقط يمكننا أن نتعلم العزف على البيانو أو أن نكتب شعرًا غراميًا”.
إن الزعم بأن المصالح المادية كانت هي دائمًا المحرك الأول الانتقال الإنسان على مدار التاريخ من سكن الكهوف إلى الذكاء الاصطناعي لا هو زعم أقرب للتصديق بكثير من أن يكون اقتران الكواكب أو النظام الغذائي أو الرجال العظماء هم السبب في ذلك.
بالطبع هناك الكثير جدًا من العوامل التي تؤثر في التاريخ البشري، وإلا لما كان هذا التاريخ بهذا التنوع الكبير والمدهش. فالسياسة والأفكار والعلم والوجود الاجتماعي ليس بالضبط اقتصادًا يرتدي قناعًا آخر، بل لها وجودها الخاص وحقيقتها الخاصة. ولهذا خصص ماركس الكثير من الجهد لدراسة هذه الشؤون بحد ذاتها.
لابد هنا من تحري الدقة. ليست المسألة أن السياسة أو الأفكار أو الفن أو القانون -ما يسميه ماركس “البنية الفوقية” للمجتمع- انعكاس أعمى للقوى الاقتصادية أو نمط الإنتاج مما يطلق عليه ماركس “القاعدة المادية” أو “البنية التحتية” للمجتمع- بل بالأحرى أن البنية التحتية تُحدِّد، أي حرفيًا تضع حدًا، للبنية الفوقية. القوة الاقتصادية تفرض إطارا تتشكل داخله الأفكار والسياسة إلخ، وتتغير ضمنه.
كان من المستحيل مثلًا أن يرسم ليونارد دافينشي أو أي من فناني عصر النهضة بـ”فوتوشوب”، لأن قوى الإنتاج -القاعدة المادية- لم تكن قد تطورت إلى هذا المستوى، وبالتالي “وضعت حدًا” لتطور الفن. وهكذا أيضًا ربما قضت الحروب منذ ألف أو ألفي سنة على أقوامٍ صغيرة أو سكان قرى أو مدن، لكن كان من المستحيل عليها أن تهدد بفناء الجنس البشري، لأن القوى المادية لم تكن قد تطورت -مع الرأسمالية والإمبريالية وسباق التسلح- إلى مستوى القنبلة النووي، الأمر الذي غيَّر الخريطة السياسية العالمية.
7. المادية
يقول بعض ناقدي ماركس إنه كان ماديًا، وبالتالي يعتقد أن ما من شيء في العالم سوى المادة ويهمل الجوانب الروحية للبشر. يصحِّح إيجلتون هذه الرؤية بكلمات بسيطة: “الماديون ليسوا هم الذين ينكرون ما هو روحي، بل هم الذين يذكِّروننا بأن الجوانب الروحية للبشر تقتضي بعض الشروط المادية”، بما يشمل بالطبع العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. أحد أهم الموضوعات، وأكثرها محورية، في فكر ماركس هو موضوع “الاغتراب”. كان الفيلسوف فيلهلم هيجل، أبرز وجوه الفلسفة المثالية الموضوعية، يتحدث عن الاغتراب في عالم الأفكار والروح. لكن ماركس، التقف هذا المفهوم وطوَّره من خلال ربطه بالظروف الاجتماعية وكشف جذوره فيها. الاغتراب بالنسبة لماركس هو النشر بما ننتجه بأيدينا، وببعضنا، وبالمجتمع حولنا، وحتى بأنفسنا وحياتنا، كأن كل تلك أشياء “غريبة” عنا، بمعزل عن نشاطنا الخاص، ولا يمكننا تفسيرها، ولا سيطرة لنا عليها.
لقد بلغت بنا الرأسمالية أقصى درجات الاغتراب في عصرنا الراهن. ولا شك أن الديكتاتورية والتغير المناخي والتهديد الدائم بالحرب والأسلحة الفتاكة، وغيرها الكثير من إفرازات الرأسمالية، هي أشياء غير مبررة لصالح البشر ومعزولة عنهم وتفرض نفسها عليهم. وحتى على مستوى أدنى كثيرًا، فإن الفقر والبطالة والقلق الدائم من المستقبل، والمنافسة الدائمة على “لقمة العيش”، والإنتاج من أجل الأرباح وليس من أجل سد احتياجات البشر، كلها تُعمِّق شعور البشر بالاغتراب وتخنق الجوانب الروحية لديهم.
كتب ماركس أن “المجتمع الرأسمالي اقتلع كل الروابط الأصلية بين البشر وأحلَّ محلها الأنانية والحاجات الذاتية، وحوَّل البشر إلى كائنات عدائية لبعضها البعض”. كان ماركس شغوفًا بكل الجوانب غير المادية في علاقة البشر ببعضهم (الصداقة والتعاطف والتعاون والحب والضحك واللذة الحسية، إلخ)، وكان منطلقه الرئيس في عدائه للرأسمالية وتنظيره للنضال من أجل الاشتراكية هو بناء القاعدة المادية التي تطلق العنان لهذه الجوانب بين البشر. كان ماركس فيلسوفًا ماديًا (ماديًا جدليًا) “يذكِّرنا بأن الجوانب الروحية تقتضي بعض الشروط المادية”.
8. العنف
تقول الفكرة الشائعة إن الماركسيين يدافعون عن العمل السياسي العنيف والثورة الدموية، التي تفرض فيها عصبة من الثوريين إرادتها على أكثرية المجتمع.
على العكس من ذلك، يوضح إيجلتون أن الماركسية لا تتعلق بأقلية ثورية تملي إرادتها على المجتمع بوسائل العنف، ولطالما رفض ماركس ما يسمى “بنظرية المغامرة”، وعنوا بذلك أن ترمي فرقة من الثوريين بنفسها ضد القوى الجبارة للدولة. فالثورة بالنسبة لماركس لا تتعلق بإرادة فولاذية أو جرعة قوية من الشجاعة، بل بشروط مادية معينة تكون فيها الطبقة الحاكمة منقسمة وضعيفة، والجماهير مستعدة للنضال ومتأهبة للتصعيد ومنظمة الصفوف، والقوى الاشتراكية قوية وجيدة التنظيم. ولقد كان ماركس دائمًا ضد الانتفاضات البطولي التي يشنها محاربون شرسو الوجوه يلوحون بأسلحتهم بمعزل الشعب (هذا ما ميَّز الماركسية عن البلانكية مثلًا).
إن الاشتراكية بالنسبة لماركس هي “تحرر الطبقة العاملة بيد الطبقة العاملة نفسها”. الثورة البلشفية مثلًا، لم تقم بفعل عصبة من المتآمرين الذين دبروا كل شيء، بل بالنشاط الثوري المستعر لجحافل من المناضلين المنتخبين علنًا وبشكل قاعدي في مواقعهم ومصانعهم وقراهم وثكناتهم، في مؤسسات تمثيلية ديمقراطية عُرِفت باسم “السوفييتات” (المجالس)، استولوا على السلطة بدعم ومطالبة من شعبٍ ثائر بملايين الناس.
أما عن العنف، فالجماهير لا تسعى إليه عامةً، وإلا لكان ذلك انتحارًا جماعيًا في مواجهة قوى الدولة الساحقة، هو يُفرض عليهم حين تستخدم الطبقات الحاكمة قواها القمعية لحماية مصالحها من الفقراء (حتى في التحركات الإصلاحية المحدودة وليس فقط في الانتفاضات الثورية العارمة). وكلما تنامت مشاركة الجماهير في الثورة، لا يتمكن عنف الطبقة الحاكمة من ردعهم ويقل عدد الضحايا. وليس من المفاجئ هنا أنه لم تُسفَك الكثير من الدماء في الثورة البلشفية مثلًا، ويرجع ذلك في جزءٍ كبير منه إلى المشاركة والتأييد الواسعين الذين حظيت بهما.
صحيح أن الكثير من الدماء سالت في السنوات الثلاث التي أعقبت الثورة الروسية، لكن ذلك كان نتيجة هجوم القوى اليمنية والغزاة الأجانب (14 دولة أوروبية أرسلت جيوشها لدعم القوى البيضاء المضادة للثورة في روسيا) لهدم المجتمع الجديد. لم يكن ذلك ذنب الثورة التي تدافع عن نفسها، بل ذنب القوى الرأسمالية، التي هي نفسها تتهم الاشتراكية والماركسية بالعنف!
وصف ماركس الرأسمالية بأنها منذ ولادتها “ملطخة بالوحل والدماء”. لقد أغرقت الرأسمالية البشر معها في الدماء، ويلاحظ إيجلتون أنه بينما شنت الطبقات الرأسمالية الحاكمة الحرب العالمية الأولى ضد بعضها، كانت الثورة البلشفية هي التي سحبت روسيا من هذه المجزرة الدموية ودعت إلى السلام العالمي. وفي الحرب العالمية الثانية، كانت حركات الطبقة العاملة تدعو إلى وقف القتل والدمار، ولطالما اضطلع الاشتراكيون بدور رئيسي في حركات السلام عبر التاريخ الحديث الذي أدمته الرأسمالية.
9. الشمولية
يقولون إن الماركسية تسعى إلى دولة استبدادية شمولية. وعلى النقيض من ذلك، يُتَّهم ماركس أيضًا بالطوباوية، بالخيال العقيم؛ إذ يُقال إنه يتطلَّع الله زمن تكون فيه الدولة قد ولَّت، أو كما يقول رفيقه إنجلز: “أن تذهب الدولة إلى متحف التاريخ، إلى جوار النصل الحجري والفأس البرونزية”. أين الحقيقة إذًا؟
كان ماركس عدوًا لدودًا للدولة، ونعم، كان يأمل أن تضمحل في المجتمع الشيوعي. لكن ليس الدولة بمعنى الإدارة المركزية. الدولة بوصفها أداة عنف وقسر، هي التي يعني ماركس أنها ستنتهي. أوضح في البيان الشيوعي: “السلطة العامة في ظل الشيوعية سوف تفقد طابعها السياسي”.
يقول إيجلتون: “بهذا المعنى سوف تختفي الدولة من المشهد. ما يجب أن يذهب هو السلطة التي تدعم سيادة طبقة اجتماعية تسيطر على باقي المجتمع. المتنزهات العامة ومراكز فحص قيادة السيارات ستبقى”.
ليس هناك من غموض في أن الدولة في أي بلدٍ رأسمالي، أي في كل بلاد العالم الآن، غير محايدة، بل منحازة لمصالح تبقى معينة من المستثمرين والشركات الكبرى، وهي تدير هذه المصالح، وتتدخل بقواها القمعية لحماية هذه المصالح والحفاظ على الوضع الطبقي للمجتمع لخدمتها، أي التأكد من صمت العمال والفقراء وقمع و/أو احتواء أي احتجاجات أو اضطرابات قد تضر بعمل الأسواق. باختصار، كما يقول إنجلز، الدولة هي “لجنة خاصة من رجالٍ مسلحين ومجلس إدارة تنفيذية للطبقة الحاكمة”.
إن تحطيم المصالح الرأسمالية، على يد الثورة العمالية، هو ما سيفتح الطريق أمام اضمحلال الدولة واختفائها باعتبارها جهازًا مفروضًا على أغلبية المجتمع لحماية أقليته الضئيلة. أما دولة الطبقة العاملة، فسوف تدير مصانع العمال التي هي نفسها مصانع المضطهدين والمستغلين. وبالتالي ستختفي الحاجة إلى القمع والقهر والعنف لحماية مصالح طبقية، مع ضمان انتصار الثورة ودحر مقاومة البرجوازية لها، بالطبع من خلال انتشار الثورة الاشتراكية على الصعيد العالمي.
ولا يمكن للدولة التي نعرفها أن تُخطَف ببساطة لتحقيق أهداف اشتراكية. يوضح ماركس أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تستولي على آلة الدولة المجهزة كما هي وتجبرها على تحقيق مصالحها (بالإنتخابات مثلًا أو بانقلاب قصر أو جيش) هذا لأن آلة الدولة هذه تتضمن انحيازًا تامًا للوضع الطبقي الراهن. على الطبقة العاملة، وفقًا لماركس، أن تهدم الدولة الرأسمالية النخبوية، وتبني بدلًا منها دولتها الجديدة على أساس التمثيل الديمقراطي والقاعدي المباشر.
10. الماركسية تدير ظهرها للكثير من المعارك غير الاقتصادية
من ضمن سوء الفهم المتعلق بالماركسية، هو الاعتقاد بأنها تنصب فقط على “الصراع الطبقي” وتتجاهل الحركات الراديكالية في الخمسين سنة الأخيرة. يُقال في ذلك إن الحركات النسوية وحركات الدفاع عن البيئة والسياسات الخاصة بالأعراق ومجتمع الميم ومقاومة العولمة وحركات السلام، كلها بعيدة تمامًا عن الماركسية.
علينا أولًا أن نبدِّد سوء الفهم المتعلق بمفهوم الصراع الطبقي. لقد ميَّز ماركس بين الطبقة بذاتها والطبقة لذاتها. لا يمكن أن تكون الطبقة لذاتها، إلا إذا كان لها وعي عميق بمصالحها الطبقية الموحَّدة، وأشكال سياسية تبلور بها مطالبها ونضالاتها، عبر اختلافاتها العرقية والجنسية والدينية، إلخ. ليس الصراع الطبقي إذًا صراعًا اقتصاديًا صرفًا بين طبقتين على جانبين متقابلين من عملية الإنتاج، بل يتخذ أشكالًا عديدة، وتتداخل فيه قضايا متنوعة.
في هذا السياق فإن المقياس الرئيسي الذي وضعه ماركس لاتخاذ مواقفه السياسية هو: إلى أي مدى يصب هذا الإجراء أو ذاك في “مصلحة الطبقة العاملة العالمية”؟ وإلى أي مدى سيفيد هذا الاتجاه أو ذاك مشروع “ثورة الطبقة العاملة”؟ وبالتالي، إذا كانت الحرب وأشكال الاضطهاد على أساس الدين أو الجنس أو الميول الجنسية أو العرق أو القومية، وحتى الوضع البيئي، كلها موجودة ومؤثرة في حياة الطبقة العاملة، فلا يمكن إهمال أو تجاهل مثل هذه القضايا لصالح التركيز على النضال الاقتصادي البحت. ليست هناك أولوية للمعركة الاقتصادية على حساب المعركة ضد اضطهاد النساء مثلًا وهذا الاتجاه الذي يُطلق عليه “الاقتصادوية” كافح لينين وآخرون ضده طويلًا في الدوائر الاشتراكية الروسية مطلع القرن العشرين.
على العكس الكثير من قضايا وأشكال النضال في العقود الطويلة الأخيرة لها جذور -بعضها عميق للغاية- في أفكار ماركس ومؤلفاته؛ من تحرر النساء إلى النضالات القومية إلى الاضطهاد العرقي والصراعات الدينية، وحتى تدمير الرأسمالية للبيئة. ما تزال ملاحظات ماركس حولها شديدة الأهمية إلى الآن.
بعض هذه القضايا لم تَحظَ باهتمامٍ يُذكَر في عهد ماركس وكان هو سباقًا إلى التركيز عليه.
هذه القضايا أيضًا لها أصداء واسعة النطاق في التراث الثوري للماركسيين (قبل تشويهات الستالينية والماوية، إلخ) فنجد الثورة البلشفية مثلًا تفرز حكومة هي الأولى في العالم، التي تلغي تجريم المثلية الجنسية والأولى في إقرار حق النساء في التصويت، وأول حكومة تتولَّى المرأة فيها منصب وزيرة، علاوة على إقرار حق تقرير المصير للأمم العديدة التي اضطهدها الحكم القيصري السابق، والحريات الدينية الواسعة.
وما يزال الماركسيون في العالم اليوم منخرطين في مختلف النضالات؛ ينشطون وينظمون ويتجادلون مع التيارات الأخرى المشارِكة فيها. وبوصلتهم الرئيسية في خضم ذلك هي ربط هذه العلاقات معًا ضد النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للرأسمالية، وتوحيد الطبقة العاملة وكل المضطهدين داخلها وخارجها ضد هذا النظام.
كلمة اخيرة
يذخر كتاب: “لماذا كان ماركس على حق؟” بالكثير من الأفكار والمجادلات المهمة، التي لم نعرض في هذا المقال إلا نبذةً مختصرةً عنها. وما يزال هناك احتياجًا لمزيد من الأعمال التي تسعى لانتشال التراث الماركسي الحقيقي مما لحق به من تشويه وما حاصره من عداءات وما حجبه من سوء فهم.

