
من فلسطين إلى ميدان التحرير
منذ 7 أكتوبر 2023، يتساءل كثيرون عن دوافع الموقف الرسمي المصري من الحرب على غزة، بما في ذلك استمرار إغلاق معبر رفح، وإدارة حركة الملاحة والتجارة في البحر المتوسط، والعلاقات القائمة في مجال الطاقة. بعيدًا عن تفسيرات المؤامرة أو الاتهامات المبسطة، يمكن قراءة هذا الموقف في ضوء الكيفية التي تنظر بها دوائر صنع القرار في القاهرة إلى الملف الفلسطيني تاريخيًا: بوصفه ملفًا أمنيًا شديد الحساسية، ومصدرًا محتملاً لعدم الاستقرار الداخلي، وعاملًا طالما ارتبط بتسييس الشارع المصري وإعادة تنشيط الاحتجاجات على مدار عقود. لطالما شكّلت القضية الفلسطينية عاملًا مُفجِّرًا للوعي السياسي لدى الشارع المصري. فمعظم، إن لم يكن كل، محطات التحول في تاريخ المعارضة في أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، جاءت بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة سلسلة تفاعلات أطلقتها أحداث مرتبطة بالقضية الفلسطينية.
من عام 1968 إلى انتفاضة الخبز عام 1977
تميل أغلب الكتابات التي تتناول عام 1968، عام الثورات العالمية، إلى التركيز على انتفاضة الطلبة والعمال في فرنسا وصعود الحركات الاجتماعية في أوروبا والولايات المتحدة، ولكن للعالم العربي أيضاً نصيبه من الأحداث الساخنة في نفس العام، وهو نادرًا ما يُسلط عليه الضوء.
إثر الهزيمة العسكرية عام 1967 على يد إسرائيل، انخرط العمال المصريون – ولا سيما في حلوان جنوب القاهرة، إحدى البؤر التاريخية للنضال العمالي الصناعي – إلى جانب طلاب الجامعات في احتجاجات جماهيرية اجتاحت الشوارع في فبراير1968، مطالبة بمحاسبة القيادات العليا في الجيش وجمال عبد الناصر نفسه. وقد جرى قمع هذه الإنتفاضة باستخدام العنف ، لكن تزامن ذلك مع وعود بإصلاحات ديمقراطية أعلنها ناصر في ما عُرف بـ «بيان 30 مارس».
اندلعت موجة أخرى من الاحتجاجات المناهضة للنظام في نوفمبرمن العام نفسه في الإسكندرية، وكانت أشد من موجة فبراير، إذ حولت شوارع المدينة الساحلية إلى ساحة مواجهات مع قوات الأمن. واستدعيت مروحيات الجيش، محلّقة على ارتفاع منخفض، لبث الرعب في صفوف الطلاب. وسارعت الصحف إلى إدانة المتظاهرين ووصفهم بأنهم «عملاء لإسرائيل».
كانت هاتان الموجتان من الاحتجاجات من العوامل الرئيسية التي دفعت ناصر لإعلان «حرب الاستنزاف» ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي في سيناء. لكنها أيضًا مثلت بداية «الموجة الثالثة للشيوعية المصرية». بدأت منظمات معارضة جديدة تتشكل ولعبت دورا مركزيا في انتفاضات الطلاب بين عامي 1971 و1973، مما ضغط على خليفة ناصر، أنور السادات، لخوض حرب محدودة لتحرير أجزاء من شبه جزيرة سيناء.
منحت الحرب السادات بعض النفوذ ليظهر مؤقتًا كمحرر وبطل وطني، لكن سرعان ما برزت القضية الاجتماعية إلى الواجهة. ففي عام 1974، شرع السادات في أول محاولة للنظام للتحول نحو النيوليبرالية، ما عُرِف بسياسة الانفتاح الإقتصادي . وفي العام التالي، بدأ الحراك العمالي بالرد، من خلال إضرابات جماهيرية في حلوان، وشبرا، والمحلة.
واصلت موجة الإضرابات والاحتجاجات الطلابية تمهيد الطريق لـ«انتفاضة الخبز» عام 1977، التي شهدت إضرابًا عامًا على مستوى البلاد ويومين من المواجهات في الشوارع مع الشرطة في مختلف أنحاء البلاد، وذلك على خلفية إجراءات تقشفية. واضطر السادات إلى إلغاء قراراته برفع الدعم عن الخبز وإرسال الجيش لقمع الانتفاضة.
كانت فلسطين حاضرة دائمًا في الخلفية بوصفها عاملاً للتثوير. فقد شكلت معركة الكرامة في مارس 1968، التي تمكن فيها الفدائيون من إلحاق الهزيمة بالقوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية لنهر الأردن، مصدر إلهام للحركة الاجتماعية الناشئة والصاعدة حديثًا في مصر. عقد الطلاب المصريون المحتجون آنذاك مقارنات بين المقاومة البطولية للفلسطينيين والأداء المتواضع والبائس للجيوش المصرية والعربية النظامية في عام 1967. وقد طُرحت هذه المقارنات باستمرار في السنوات اللاحقة، مع تصاعد انتقاد الطلاب للسادات، حيث استنكروا مماطلته في خوض حرب تحرير. وكانت الرسالة واضحة: إذا كان الفلسطينيون قادرين على ذلك، فلماذا لا نكون نحن أيضًا؟
الحركة الاجتماعية – التي وُلدت من رحم هذه الأحداث وقادت النضال في السنوات اللاحقة مما أدي في نهاية المطاف إلى انتفاضة عام 1977 – قادها خريجو أسر طلابية يسارية عُرفت باسم «جمعيات أنصار الثورة الفلسطينية». وبعد قمع الانتفاضة، سارع السادات إلى إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل، سعيًا يائسًا للحصول على الدعم الأميركي للحفاظ على نظامه. وقد اغتيل عام 1981، وأشار منفذو اغتياله إلى خيانته وتفريطه بالقضية الفلسطينية بوصفهما من الدوافع الرئيسية للعملية.
من الانتفاضة الفلسطينية الأولى إلى أول «حرب على الإرهاب»
شكّلت هزيمة انتفاضة عام 1977 عمليًا نهاية الموجة الشيوعية الثالثة، وإن كان يُشار عادةً إلى نهايتها الرسمية بانهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الستالينية عام 1991. وقد كانت ثمانينيات القرن الماضي في مصر سنوات ركود، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، بل كذلك على مستوى النضالات الاجتماعية والسياسية . ومع ذلك، اندلعت بين الحين والآخر احتجاجات عفوية مناهضة للنظام، معظمها داخل الحرم الجامعي، وكانت القضية الفلسطينية هي الشرارة المحركة لها.
غير أنّ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أعاد إحياء حالة المعارضة السياسية. فقد عمت الاحتجاجات الجامعات المصرية والنقابات المهنية تضامنًا مع الفلسطينيين، وسرعان ما تطورت إلى صدامات مع قوات الأمن. ولدت هذه الصدامات موجة غضب ومطالب بالديمقراطية، وتفكيك الجهاز الأمني، وقطع العلاقات مع إسرائيل، التي كانت قد أنشأت بعثة دبلوماسية لها في الجيزة على مسافة قريبة جدا من جامعة القاهرة.
كانت الاحتجاجات قوية إلى حدّ أن وزير إعلام حسني مبارك، صفوت الشريف، أصدر توجيهات إلى التلفزيون الرسمي بتقييد تغطية الأخبار المتعلقة بفلسطين. كما استغلّ النظام تأييد ياسر عرفات للغزو العراقي للكويت عام 1990 لتشويه صورة الفلسطينيين وشيطنتهم.
وجّهت حرب الخليج عام 1991 بقيادة الولايات المتحدة، وما تلاها من «السلام الأميركي»، ضربة قاصمة للانتفاضة الفلسطينية الأولى، كما منحت دفعة قوية لوكلاء الولايات المتحدة في المنطقة، ومن بينهم مبارك. ولا يمكن فصل وأد الانتفاضة الأولى عن انطلاق مسار أوسلو من ناحية وتمكين الأنظمة العربية في مواجهة شعوبها من ناحية أخرى… وهي معادلة فرض الاستقرار الإقليمي برعاية أمريكية.
ليس من قبيل المصادفة أن تكون أول «حرب مصرية على الإرهاب» عام 1992، وهو العام نفسه الذي شرع فيه نظام مبارك في تحوّله النيوليبرالي تحت رعاية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ورغم أن الهدف المعلن كان مواجهة التنظيمات المسلحة مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد الإسلامي، فإن النظام استهدف مختلف أطياف المعارضة دون استثناء.
كانت القاهرة في عقد التسعينيات تحت احتلال الشرطة على مدار الساعة: نقاط تفتيش، عمليات تفتيش عشوائية، اغتيالات، واعتقالات جماعية. وكانت الأحزاب السياسية المعارضة محاصرة. وتراجعت التحركات العمالية بشكل حاد. وأصبحت النقابات المهنية تحت سيطرة الدولة. وحُوكم المعارضون في محاكم عسكرية صورية. ولم يكن بإمكان أي شخص حتى الهمس باسم مبارك، سواء في هتافات احتجاجية ، أو مقالة صحفية، أو مكالمة هاتفية.
كيف انتقلنا من هذا الوضع إلى ثورة أطاحت بمبارك وعائلته بعد عقد من الزمن، في يناير 2011؟ مرة أخرى، فلسطين السبب.
من الانتفاضة الفلسطينية الثانية إلي ثورة يناير 2011
خلق زلزال الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 سبتمبر 2000 توابع هزت المنطقة، بما في ذلك مصر. فقد رأى العرب أن أنظمتهم عاجزة عن وقف عدوان إسرائيل، أو بالأحرى متواطئة في إخضاع الفلسطينيين. ومن خلال انتشار محطات التلفزيون الفضائية المتزايدة مثل الجزيرة، شاهد ملايين المصريين بمنازلهم صورًا حية لفظائع إسرائيل ولأطفال فلسطينيين يواجهون الدبابات.
وسرعان ما بدأ الناس يعقدون مقارنات بين اضطهاد الفلسطينيين على يد الاحتلال الإسرائيلي، والقمع الذي كان المصريون يواجهونه في ظل حكم مبارك. وخلصوا إلى أنه إذا كان أولئك الأطفال قادرين على مواجهة دبابات الجيش الإسرائيلي ، فإننا نحن أيضًا قادرون على مواجهة مدرعات شرطة مبارك.
اندلعت احتجاجات تضامنية في جميع الجامعات المصرية خلال الأسبوع الأول من أكتوبر 2000. حتى طلاب المدارس الثانوية ورياض الأطفال خرجوا إلى الشوارع حاملين الأعلام الفلسطينية. وشهدت النقابات المهنية، التي كانت خامدة في السنوات السابقة، انتعاشًا للنشاط. لكن هذا الانتعاش في السياسة قوبل بقمع وحشي، حيث قامت الشرطة بقمع الاحتجاجات واعتقال الطلاب بشكل جماعي . وكانت هذه تجربتي الأولى في الاحتجاز والتعذيب على يد جهاز أمن الدولة.
خفتت الاحتجاجات مؤقتًا، لتشتعل من جديد في أبريل 2002 بعدما أرسل شارون دباباته إلى الضفة الغربية، مخلفًا وراءه دماء ومجازر في جنين ومدن أخرى. وعلى مدار يومين، خاض طلاب مصريون معارك متواصلة مع الشرطة في شوارع منطقة بين السرايات في الجيزة، فيما عُرف باسم «انتفاضة جامعة القاهرة». وكانت هذه المرة الأولى التي يُسمع فيها آلاف الأشخاص يهتفون ضد مبارك: «حسني مبارك زي شارون. نفس الشكل ونفس اللون!»
قُمعت موجة الاحتجاجات مرة أخرى بالقوة، لكن شيئًا ما كان يتغير بالفعل في المزاج العام. فقد بدأ جدار الخوف الذي بناه مبارك خلال العقدين الماضيين ينهار تدريجيًا. كما كانت المنظمات الناشطة في الجامعات وخارجها تتوسع، رابطًة القضايا الإقليمية (فلسطين والعراق) بالقضايا المحلية.
مع غزو العراق، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع في العاصمة والمحافظات، فيما شكل أكبر احتجاجات تشهدها مصر منذ انتفاضة 1977. ومرة أخرى، شهد وسط القاهرة يومين من معارك الشوارع المتواصلة مع الشرطة، حيث أحرق المتظاهرون صورمبارك، ومزقوا لافتات الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، وقاتلوا قوات الأمن المركزي بالحجارة تمامًا كما يفعل الفلسطينيون، وسيطروا على ميدان التحرير لمدة يومين، فيما كان بمثابة بروفة لثورة يناير التي اندلعت لاحقاً بعد عقد من الزمن.
لمدة ثلاث سنوات متتالية (2000 إلى 2003)، خلقت هذه التعبئة حول فلسطين والعراق للناشطين المصريين هامشًا يمكنهم من خلاله التنظيم وخوض تحركات شعبية تتجاوز الخطوط الحمراء السابقة. وليس من قبيل الصدفة أن تنطلق حركة كفاية المناهضة لمبارك في أعقاب هذه التعبئة في ديسمبر 2004، على يد نفس المنظمين الذين قادوا الحركات المؤيدة لفلسطين والمعارضة لحرب العراق.
نظمت حركة كفاية تحركات شعبية، جذبت الطلاب والمهنيين من الطبقة الوسطى والمثقفين، لكنها بالكاد نجحت في تأسيس جذور بين الطبقة العاملة المصرية. ومع ذلك، اعتمدت الحركة استراتيجية واعية لنشر صور وأشكال المعارضة، عبر وسائل الإعلام التقليدية والإنترنت، إلى أوسع جمهور ممكن في ذلك الوقت، بهدف إحداث تأثير.
لقد أشعلت هذه المشاهد، التي ظهر فيها العشرات وأحيانًا المئات يهتفون ضد مبارك ويحرقون صوره وملصقاته، حماس البلاد بأكملها. فقد حطمت بشكل نهائي صنم مبارك، وأرسلت رسالة إلى العامة مفادها أنه يمكن مواجهة من في السلطة، سواء في الحكومة أو مكان العمل.
في هذا السياق، خاضت ثلاث آلاف عاملة في مصانع الغزل والنسيج بالمحلة، إضرابًا في ديسمبر 2006 احتجاجًا على مطالب اقتصادية. وشجّعن زملاءهن من الرجال على الانضمام، وسرعان ما شمل الإضراب كامل المصنع. وقد أسفرت انتصاراتهم بعد ثلاثة أيام عن أكبر وأطول حركة إضراب تشهدها مصر منذ عام 1946.
تطورت هذه الإضرابات إلى انتفاضتين محليتين عام 2008، في المحلة والبرلس، أسقط خلالها المتظاهرون صور مبارك وواجهوا قوات الأمن بشجاعة، إذ سرعان ما تحولت المطالب «الاقتصادية» إلى مطالب «سياسية» بالحريات. وبالتوازي شاركت القيادات العمالية بانتظام في تحركات التضامن مع فلسطين، وكنت أرى العديد منهم يظهرون في الوقفات المختلفة التي نظمت في القاهرة والمحافظات لدعم غزة آنذاك.
هذه هي الحركة الاجتماعية التي مهدت الطريق لثورة يناير2011، التي أطاحت أخيرًا بحسني مبارك. وفي ميدان التحرير، كانت الأعلام الفلسطينية حاضرة في كل تحرك ومظاهرة تقريبًا، بينما كان قادة إسرائيل ينعون خسارة مبارك ويراقبون بخوف مجريات الثورة المصرية. وفي العام نفسه، اقتحم الثوار السفارة الإسرائيلية في القاهرة مرتين، مطالبين بقطع العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب.
الثورة المضادة 2013
في سعيه لإنهاء الثورة استهدف الانقلاب العسكري كل قضية تبناها الثوار. وجاءت فلسطين في مقدمة هذه القضايا، كونها العامل الرئيس في تثوير الشباب المصري. ومع شروع النظام في مجازره في النصف الثاني من عام 2013، شدّد أيضًا الحصار على غزة، و شيطن صورة حماس في وسائل الإعلام، وتعاون فعليًا مع إسرائيل في حربها على غزة عام 2014.
رحبت تل أبيب بالانقلاب، وأقامت علاقة سياسية واقتصادية وثيقة مع النظام الجديد، وروّجت له في الولايات المتحدة والغرب بوصفه الأمل الوحيد لإنقاذ مصر من «الإرهابيين». وفي الوقت نفسه، سمح النظام للقوات الجوية الإسرائيلية بالعمل في سيناء، وتنفيذ مئات الضربات ضد أهداف إرهابية مزعومة.
إلا أن حركة حماس أظهرت صمودًا في تلك السنوات رغم الحصار المصري – الإسرائيلي، حتى تغيرت حسابات النظام المصري إبان خسائر فادحة في حربه في شبه جزيرة سيناء ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، مما اضطر القاهرة بحلول عام 2017 إلى اللجوء إلى حماس لمساعدته في مراقبة الحدود وقطع تدفق السلفيين الغزاويين – أعداء حماس – المشاركين في حمل السلاح ضد الجيش المصري.
رغم هذا التقارب والتخفيف النسبي للحصار، ظل الوضع الإنساني في غزة مأساويا. وفي الوقت ذاته، حاولت القاهرة تقديم نفسها كوسيط موثوق للرئيس الأميركي المنتخب آنذاك جو بايدن، بصفتها قادرًة على التوسط في وقف إطلاق النار أو تسويات سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، في محاولة لاستعادة بعض النفوذ الإقليمي الذي فقدته مصر.
ولكن باندلاع الحرب الأخيرة في أكتوبر 2023 تراوح أداء النظام المصري بين التواطؤ تارة وقلة الحيلة تارة أخرى، ووقف جنوده على الحدود يشاهدون الإبادة على بعد أمتار، يقتلهم أحياناً رصاص إسرائيلي طائش فلا يتحركون، يستنجد بهم أطفال غزة “مشان الله يا مصر” وهم لا يعبأون… لكن بين المصريين، لا يزال هناك تضامن ودعم كبير للفلسطينيين . تُرى الأعلام الفلسطينية على السيارات والمتاجر والبضائع. وما زالت حملات مقاطعة العلامات التجارية الدولية الداعمة لإسرائيل تتوسع. وأصبح أبو عبيدة، المتحدث باسم كتائب القسام قبل استشهاده، بطلاً يتابعه المصريون بشغف أينما أطل بخطابات النارية.
واستمر قلق النظام من توابع الحرب على المشهد السياسي المحلي المصري وبالذات إمكانية إعادة إحياء الحراك في الشارع تدريجياً. ففي الأسبوع الأول عقب اندلاع الحرب في أكتوبر، شهدنا تظاهرات شعبية عفوية في القاهرة والمحافظات، وامتد الحراك لساحات الجامعات، تلك الساحات التي لم تشهد احتجاجات لمدة عقد من الزمان تحت وطأة القمع الوحشي وتفكك التنظيمات الطلابية.
حاول النظام اختطاف موجة الاحتجاج ودعا في 20 أكتوبر إلى احتجاجات برعاية الدولة لدعم الجهود الدبلوماسية المزعومة لرأس النظام، مصوّرًا إياه كمدافع عن الأمن القومي. لكن المحاولة باءت بالفشل. وللمرة الأولي منذ نحو عقد، تدفق المصريون بأعداد كبيرة إلى ميدان التحرير، مردّدين هتافات ثورة يناير 2011، وبعد أن فرقتهم قوات الأمن المركزي قام المتظاهرون بإسقاط لافتات وصور رموز النظام في وسط القاهرة ووقعت بعض الاشتباكات مع قوات الأمن.
سرعان ما قمعت الاحتجاجات، باعتقالات تجاوزت المئتي شخص، مازال منهم العشرات يقبعون الزنازين في وقتنا هذا. لكن حجرًا قد رُمي بالفعل في المياه الراكدة. لقد وُلد جيل جديد من الناشطين في مصر، جيل أمامه طريق طويل لإعادة إحياء الحركة الثورية بالكامل… ومرة أخرى، نحن مدينون بذلك لفلسطين.

