
بقلم: ليو زيليج
المقال مترجم من مجلة الاشتراكية الأممية، عدد 182، منشور بتاريخ 11 أبريل 2024
في الأشهر الأخيرة ، ظهر فرانز فانون بشكل مكثف مع تصاعد حدة القصف والقتل في غزة. يُكتَب عن فانون بطرق مختلفة للدفاع عن مواقف متنوعة. أولًا، وصف بأنه ثوري ، أدرك أننا يجب أن ندعم حركات التحرر والوسائل التي يستخدمها المناضلون ضد دولة الإستيطان الإسرائيلية . على سبيل المثال، جريدة “العامل الاشتراكي” كانت محقة حين قالت إنّ “كلمات فانون كانت نداء للشعوب المضطهدة في كل مكان كي تنهض وتقاوم بأي وسيلة تراها ضروريةُ [1] ويطرح الناشط والكاتب الجزائري حمزة حموشان طرحًا مشابهًا، إذ يجد في فكر فانون تأكيدًا على حقّ المقهورين في المقاومة بكل الوسائل اللازمة : “إن إدانة عنف المضطهَدين والمستعمَرين على وجه الخصوص ليست فقط أمرًا غير أخلاقي، بل عنصري أيضًا”. ويُضيف: “للشعوب الواقعة تحت الاستعمار الحقّ في المقاومة بكل الوسائل اللازمة، ولا سيّما حين تُغلق أمامها كل المسارات السياسية والسلمية أو تعرقل عمدًا”. [2]
ثانيًا، يُعاد استحضار فانون أيضًا لإبراز الفارق بين حركات التحرر الفلسطينية وغيرها من حركات التحرّر “الكلاسيكية” المناهضة للاستعمار، وكأنّ الاستناد إلى فانون كان يومًا عملية نسخ ولصق بسيطة. فعلى سبيل المثال، كتب مارك ليفين في أكتوبر 2023 ما يلي:
إذا كان على الفلسطينيين أن يهزموا الاستعمار الصهيوني، فسيحتاج ذلك على الأرجح إلى نوع مختلف تمامًا من تحليل عنف هذا الإستعمار وسلطته عن ذاك الذي قدّمه فانون قبل ثلاثة أرباع القرن… وسيستلزم الأمر على الأرجح تحوّلًا جذريًا في المفاهيم الأساسية لماهية الأمة والحرية والاستقلال، في لحظة يتجه فيها العالم بأسره، لا فلسطين/إسرائيل فقط ، نحو الانفجار.[3]
ومع ذلك، فإن فهم ليفين لفانون محدود للغاية، وقائم على قراءة سطحية لكتاباته ومنزوعً تمامًا من سياقه التاريخي. وبالطبع، فلسطين ليست الجزائر، لكن كذلك كان “الاستعمار الكلاسيكي” – أيًّا كان المقصود بهذا الوصف – ظاهرة شديدة التنوّع والتعدّد.
المحور الأساسي في تحدي ليفين لفانون يكمن بالضبط في قوة فانون نفسه: “للأسف، توفي فانون في عام 1961، قبل عام من تحقيق الجزائر لاستقلالها. لم يعش ليرى واقع سياسة ما بعد الإستعمار في الجزائر، أو في إفريقيا عمومًا”.[4] كما سنرى، كان فانون يدرك تمامًا مأساة التحرّر الوطني. وكانت هذه مساهمة فانون، الغائبة تقريبًا عن جميع التغطيات في الفترة الأخيرة. كما أنّ أفضل أعمال فانون كانت موجهة أيضًا ضد خيانات طبقة القادة الوطنيين البرجوازيين لحركة التحرّر الوطني (وفي الواقع، كان كثيرًا ما يستخدم مصطلح “الطائفة” لوصف هؤلاء للتعبير عن عجز الطبقة الجديدة من المستغلّين التي ظهرت بعد الاستقلال). ولم يكن كتابه الأخير، معذبو الأرض ، تحليلًا هادئًا للتحرّر الوطني كتبه أكاديمي بعد سنوات من الاستقلال؛ بل كتب على فراش الموت، في ذروة النضال من أجل حرية الجزائر وحركات التحرّر الوطني عالميًا. وقد كتب الكتاب – راويا مسودات فصوله لأصدقائه – كتحذير يائس من لعنة الاستقلال وأوهام التحرّر الوطني.
أخبرنا فانون بأمرين لابد أن نقوم بهما. أولًا، يجب أن ندعم كفاح التحرّر الوطني، بما في ذلك تكتيكاته وأساليبه ، بما في ذلك عنف المضطًهدين. ثانيًا، يجب أن ننظم أنفسنا وندرك أيضًا لعنة التحرّر الوطني إذا فشل النضال في كسر الوعي القومي والحدود الوطنية. إذا لم يُنجز ذلك، فإن التحرّر الوطني سيصبح مجرد قصة أخرى من قصص تراكم رأس المال والاستغلال الطبقي من قبل الدولة .
كشف فانون عن خيانة اليسار الفرنسي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، لكنه كان يدرك أيضًا الحاجة لبناء تحدٍّ أيديولوجي وسياسي قادر في نهاية المطاف على هزيمة الطبقة الجديدة من المستغلّين، التي تحوّل حركة التحرّر إلى قنوات رأسمالية (وقومية) مهيأة ومطهّرة.
سيناقش هذا المقال بإيجاز أفكار فانون حول التحرّر الوطني والثورة والتحوّل الاجتماعي والاقتصادي. يمنحنا فانون، ونضاله العظيم ضد الاحتلال الفرنسي للجزائر في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، مؤشرات مهمة حول كيفية دعم حركات التحرّر الوطني اليوم، كما يقدّم أيضًا تحليلًا نقديًا لمواطن الخطر في هذا التحرّر نفسه.
فانون و الجزائر
بدأت حرب الاستقلال الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي رسميًا في 1 نوفمبر 1954. وقد ظهرت أول حركة تحرّر وطني في سبعينيات القرن التاسع عشر. لكن في تلك اللحظة ، تم الإعلان عن كفاح جديد؛ بعد سنوات من التنازلات مع الأحزاب القومية المعتدلة والصفقات المشوهة مع الفرنسيين، دخلت القومية الجزائرية مرحلة جديدة. ورغم أن “الانتفاضة” لم تُذكر تقريبًا في الصحافة الدولية، فإن تأثيرها انعكس علي المجتمع الجزائري. فقد قُطعت خطوط التلغراف وتعرّضت مراكز الشرطة للهجوم، لكن لم يكن هناك ما يشير إلي أن هذه الأحداث المتواضعة نسبيًا ستؤدي إلى مقتل مئات الآلاف من الجزائريين واستقدام أكثر من مليون جندي فرنسي.
لم تكن قسوة جبهة التحرير الوطني (FLN) منذ بدايتها عصيةً على الظهورأبدًا.[5] فقد صُممت استراتيجيتها النقابية، على سبيل المثال، لتهميش الحركة الوطنية الجزائرية (MNA)، وهي منظمة قومية أسّسها رائد الاستقلال الجزائري الراديكالي، مصالي الحاج، وكانت تمتلك قاعدة نقابية حقيقية بين العمال الجزائريين في فرنسا العاصمة. وتضمنت الاستراتيجية قتل بعض من أكثر النقابيين الجزائريين خبرة واحترامًا. لماذا هذه العصبوية المروعة والقاتلة؟ لأن جبهة التحرير الوطني كانت تدّعي احتكار قيادة حركة الاستقلال.
على الرغم من أن المنظمات التي أُنشئت لدعم جبهة التحرير الوطني، مثل تلك الموجودة في الحركات العمالية والحركات الطلابية الحضرية، كان بإمكانها اتخاذ مبادراتها الخاصة، إلا أنها كانت تعمل تحت القيود التي فرضتها حرب العصابات ونظام “الحرب الشعبية” الذي كان يُشنّ في المناطق الريفية. وهكذا، كانت هذه الجماعات الحضرية عناصر هامشية في سياسة كان مركز ثقلها المميز في المجال الريفي وبين المنفيين. وكانت جبهة التحرير الوطني تُدار عبر تحالفات متغيرة داخل نخب الجزائر، التي كانت تتكوّن من أعضاء ذوي امتيازات نسبية في المجتمع الجزائري استفادوا من التعليم والمنح الدراسية الإستعمارية . وقد كان ذلك يحدّ من إمكانية أن تندمج الحركات التي تتطور عبر المجتمع الجزائري حول النضالات الحضرية.
كان المستوطنون الفرنسيون في الجزائر يرون مشروعهم كمهمة لتحديث أرض قاحلة، لكنهم بدأوا أيضًا في رؤية أنفسهم كعرق جديد، وليس مجرد مهاجرين بلا جذور أو مستعمرين .[6] وعلى الرغم من أن ما يُعرف بـ “القدم السوداء” (pieds-noirs) كانوا يعرّفون أنفسهم كفرنسيين، إلا أنهم لم يكونوا الفرنسيين الأصليين في فرنسا العاصمة، الذين كانوا يصوّرونهم بازدراء على أنهم مثقفون باردون ومُدلّلون. وبالمقابل، كان يُحتفى بالقدم السوداء في المجتمعين الفرنسي والجزائري على أنهم أقوياء، كرماء، فتيّون وسريعو التصرف. ونظرًا لارتباطهم بالعنصرية المتطرفة والاستعمار العنيف، فقد شكّلوا بعد مغادرتهم الجزائر عام 1962 العمود الفقري للفاشية الفرنسية المنظمة في الجبهة الوطنية (Front National; FN).
في عام 1954، كانت فرنسا مصممة على عدم التعرض لإهانة أخري؛ فغزو هتلر السهل للبلاد عام 1940 كان لا يزال ذكرى حديثة حاضرة في الأذهان وكذلك كان سقوط القاعدة الفرنسية الضخمة في ديان بيان فو في الهند الصينية المحتلة فرنسيًا بيد الجنرال فو نجوين جياب وجيش الفيت مين، وهو جيش حرب عصابات محدود نسبيًا. وقد أضعفت فرنسا الهزيمة الناتجة في الهند الصينية بشكل كبير، وعانت طبقاتها العسكرية والسياسية من آثار الهزيمة؛ ورفضت قبول مصير مماثل في الجزائر.
كان فانون قد انتقل مؤخرًا إلى المستعمرة للعمل كطبيب نفسي، وكان واعيًا تمامًا بانطلاق الحرب في 1 نوفمبر 1954. وبالتدريج، وفّرت له جبهة التحرير الوطني وحرب التحرّر الوطني الممارسة والعمل اللذين كان يتوق إليهما. وصل فانون إلى الجزائر كمتمرد، لكنه غادرها كثائر. وقد دفعته حرب الجزائر لمواصلة الطريق الذي كان قد شرع فيه بالفعل، لكنه أيضًا طرح أسئلة وشكوكًا عن الثورة نفسها. ورغم أنه دعم النضال بلا شروط (وإن لم يكن، كما سنرى، بدون نقد)، بدأ في صياغة فهم للقومية والثقافة والعنف السياسي ساعد في تشكيل فهم جيل كامل لحدود التحرّر الوطني.
لم يكن نشاط فانون مسبقًا أو محددًا سلفًا. فقد أصبح ناشطًا منضبطًا في بلد يقاتل من أجل استقلاله، وبقي عضوًا في جبهة التحرير الوطني حتى وفاته عام 1961. وبعد عام 1956، كان كل كتاب أو مقال مهم يكتبه مؤيدا للثورة الجزائرية وضد انحراف مسار التحرّر الوطني.
جبهة التحرير الوطني، والأحزاب الشيوعية، والتحرّر الوطني
مع تصاعد الحرب، أصبحت ممارسة التعذيب عنصرًا أساسيا في ترسانة الحكومة الفرنسية، وغالبا ما كان ينفّذه متطوّعون من الأقدام السوداء pieds-noirs المنظَّمين في المجموعة المتنقلة للحماية الريفية (Groupe mobile de protection rurale). كانت إحدى التقنيات تتضمن إجبار الأسير على الجلوس فوق زجاجة مكسورة العنق، بينما يضغط جندي على كتفي الضحية. أما السجناء الآخرون فكانوا يُقتلون أثناء محاولتهم الهرب، في طريقة ملائمة لتجنب المشكلات “القانونية” والتحقيقات غير المرغوب فيها. أولئك الأقل حظًا كانوا يُعذَّبون ببطء حتى الموت. أصبح فانون خبيرًا في معالجة ضحايا التعذيب ومنفذيه خلال الحرب. لم تشبه آراؤه حول العنف الكليشيهات التي رددها منتقدوه أبدًا، بل تطورت نتيجة مواجهة مباشرة مع العنف اليومي والوحشي للحرب.
كان هدف جبهة التحرير الوطني دائمًا تحقيق أكبر درجة من الوحدة مع جميع طبقات المجتمع الجزائري من ملاّك الأراضي والبرجوازية الصغيرة الصاعدة، وكذلك الفلاحين والعمال. كثيرا ما تتحوّل حركات التحرر الوطني مثل جبهة التحرير الوطني إلى جبهات شعبية، تضمّ مجموعة واسعة من القوى المتناقضة التي كان فيها، وفقًا لعالم السياسة روجر ساوثول، “عنصر طبقي مهم… كان ذا توجه رأسمالي بشكل واضح”. كانت الطبقة الوسطى الجزائرية، رغم ضعفها وصِغَر حجمها، ذات تأثير غير متناسب داخل هذه الجبهات الشعبية للتحرر الوطني. وهذا ما جعلها، علي حد تعبير ساوثول، “مهيّأة لأن تصبح مديرة للدولة، إذ لم يكن بوسعها أن تصبح برجوازية ‘حقيقية’ إلا من خلال الحصول على الدولة”.جعل تأثير قوميي البرجوازية الصغيرة داخل هذه الحركات التفاهم أو التوافق مع رأس المال الوطني والدولي أكثر احتمالًا. كما انبثق فشل التحرر الوطني، بمجرد انتقال أدوات السلطة إلى حكومة مستقلة، مباشرة من هذا “العنصر الطبقي” المهيمن. [8]
كان عاملًا مهمًا في فشل تطوّر سياسة مستقلة للطبقة العاملة الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي الفرنسي ، الذي رفض الإنخراط في صفّ النضال من أجل التحرر الوطني في الجزائر. وقد أدى ذلك إلى إضعاف دور الطبقة العاملة كفاعل سياسي في الجزائر، وربما بشكل أهم، إلى إضعاف فرص الطبقة العاملة في أن تتحرك باستقلالية عن جبهة التحرير الوطني، وبالتالي أن تفرض نفسها كقوة متميزة لها مشروعها الخاص للثورة الاجتماعية. وبدلًا من ذلك، تحرّكت جبهة التحرير الوطني في اتجاه آخر دون عوائق تُذكر.
وهكذا، ظهرت خلافات خلال خمسينيات القرن العشرين بين الحزب الشيوعي الفرنسي وشقيقه في الجزائر، الحزب الشيوعي الجزائري . ورغم أن الحزب الشيوعي الجزائري كان قد انفصل رسميًا عن الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1936، إلا أنهم كانوا يتبعون التوجيهات السياسية للشيوعيين في فرنسا في معظم القضايا. كان الحزب الشيوعي الفرنسي، يتبع منطق قادة الاتحاد السوفييتي، في رؤية الولايات المتحدة باعتبارها الأمة الإمبريالية الرئيسية التي يجب مقاومتها، وأن الاستقلال قد يعني احتمال وقوع الدولة الجزائرية الجديدة ضمن دائرة النفوذ الأمريكية. ولذلك، كان لا بد من إعطاء الأولوية للسياسة الفرنسية وللثورة الفرنسية المراوِغة.[9]وعلى النقيض الواضح من ذلك، ركّز الحزب الشيوعي الجزائري على النضال العالمي ضد الإمبريالية الفرنسية في فيتنام وإفريقيا. وبلغ عدد أعضائه 10,000 عضو في أوائل خمسينيات القرن العشرين.[10[ .
ومع ذلك، عندما اندلعت “الانتفاضة” في نوفمبر 1954، كان الحزب الشيوعي الجزائري بطيئًا في دعم الكفاح المسلّح. كانت ترددات الحزب الشيوعي الجزائري مبررة تماما؛ إذ إن اللجوء إلى حملة عسكرية ضد الفرنسيين كان سيعيق تطور التنظيمات والصراع في المدن، فضلًا عن تعميق الانقسام بين الريف والمدينة. وكان الحزب قد اكتسب بالفعل سمعة في تنظيم الإضرابات في الموانئ ضد تفريغ الأسلحة، وكذلك في تشجيع مقاطعة جبهة التحرير الوطني للتبغ والكحول من أجل استهداف المزارعين الأوروبيين.
في عام 1956، عندما مرّرت الجمعية الوطنية الفرنسية مشروع قانون الصلاحيات الخاصة الذي مول الحرب، تم ذلك بأغلبية كبيرة شملت الدعم الحاسم للحزب الشيوعي الفرنسي. وقد أصيب الحزب الشيوعي الجزائري بصدمة شديدة، مدركًا أنه سيتأثر بذلك. ومن الصعب المبالغة في تقدير التأثير الهائل للحزب الشيوعي الفرنسي في تلك المرحلة، مع خمسة ملايين ناخب وسيطرة سياسية على اتحاد نقابي يضم العدد نفسه تقريبًا.
ومع ذلك، كان الحزب قد ابتعد منذ زمن عن نهج البلاشفة للتحرر الوطني ، وهو النهج الذي اعتبر دعم تحرر الشعوب المستعمرة عنصرا أساسيًا في أممية الحركة الشيوعية. وعندما تم تمرير القانون الذي يمنح الصلاحيات الخاصة في ربيع 1956، جرى إصدار خطاب ألقاه جاك دوكلو، أحد أعضاء الشيوعيين الفرنسيين في الجمعية الوطنية والمؤيد لهذه الصلاحيات، في شكل منشور ووزّع على العمال الفرنسيين [11] .
بدأ الحزب الشيوعي الجزائري في تشكيل وحداته المسلحة الخاصة، جنود التحرير، في النصف الأول من عام 1955، في محاولة لإضفاء الطابع الرسمي على ما كان يحدث بالفعل في عدة مناطق. ومع اعتقال واستهداف نقابيي ومناضلي الحزب، انتقل الكوادر إلى الجبال حاملين السلاح والمؤن. واعتمد المكتب السياسي للحزب شعارًا جديدًا وكفاحيًا: “كل شيء من أجل الكفاح المسلح!”.[12] ورغم وجود ضغط من أقلية داخل الحزب لحل نفسه والانضمام إلى جبهة التحرير الوطنية، رأى الأغلبية ضرورة الحفاظ على “منظور بروليتاري”.
في البداية، طالب النشطاء بضرورة تشكيل جبهة موحدة تمنح الاستقلالية السياسية لكل من الحزب الشيوعي الجزائري وجبهة التحرر الوطني، لكنّ الجبهة رفضت هذا الاقتراح. وفي 1 يوليو 1956، وافق الحزب الشيوعي الجزائري على أن تُدمج وحدات المقاتلين في الجناح العسكري لجبهة التحرير الوطني مع قبول سلطة الجبهة وقطع جميع الصلات بالحزب طوال مدة الحرب [13] . وبهذه الطريقة، جرى دمج عدة مئات من المقاتلين الشيوعيين، ومعظمهم من الجزائريين، داخل جيش التحررالوطني. على الرغم من محاولاتها تقديم نفسها كمنظمة متجانسة و صلبة ، كانت جبهة التحرير الوطني منقسمة بفعل خلافات سياسية مهمة. فقد دارت نقاشات حادّة حول طبيعة ومشكلات النضال الجزائري، وكذلك حول الاستراتيجية المتطورة للإمبريالية الفرنسية، بما في ذلك، وبشكل مهم، إخفاقات التنظيمات المعتدلة.
فانون و اليسار الفرنسي
في نهاية عام 1956، أُجبر فانون على مغادرة الجزائر بسبب تورطه في نضال التحرر. فانتقل إلى تونس في أوائل عام 1957 وعمل مع مكاتب جبهة التحرر الوطني في تونس. عمل فانون في صحيفة الجبهة، المجاهد ، وركّز قلمه اللاذع والبارع على مهاجمة اليسار الفرنسي وتحديه. شعر فانون بالإحباط من اليسار الفرنسي، الذي كان يعتقد أنه كان يجب أن يكون حليفًا طبيعيًا للنضال المسلّح والثورة الجزائرية، لكنه غالبًا ما كان يخفق في ذلك. ازداد غضب فانون لأنه كان يعرف مدى أهمية هذا التضامن. وكانت جدالاته اللاذعة مؤشرًا على مدى فهمه لهذه الحاجة إلى التضامن.
تستحق تحليلات فانون الجدلية لليسار في صحيفة المجاهد التأمل. ففي المقال الأول من بين ثلاثة مقالات، يتتبع تطور التضامن الفرنسي. فقد استجابت الدلائل المبكرة على السخط في المستعمرات قبل اندلاع الكفاح المسلّح بالدعم والتضامن من قِبَل “الديمقراطيين” في الدول الاستعمارية. وكانت مسؤولية اليسار واضحة: “واحدة من أولى واجبات المثقفين والعناصر الديمقراطية في الدول الاستعمارية هي دعم تطلعات الشعوب المستعمَرة دون تحفظ” [14] . ومع ذلك، منع عزلة و عصبوية اليسار قيام حملة أوسع لتوضيح الوضع، وكانت هذا “التضامن الزائف” “يتلاشي بسرعة كبيرة بفعل الأحداث [15]. ومع تقدّم النضال من أجل الإستقلال في المستعمرة وثوريته، يبدأ التضامن في الانقسام والتفكك.
حلّ الارتباك محلّ الإدانة الليبرالية للتجاوزات الاستعمارية. كانت المخاطر قد ارتفعت في تلك اللحظة. فقد تطلّب التضامن والإدانة شيئًا أكثر؛ إذ لم يكن دعم اليساريين الفرنسيين لحركة التحرر الوطني ممكنًا إلا بالتوازي مع إدانة دولتهم الاستعمارية نفسها. وجادل فانون بأن المثقفين اليساريين في فرنسا فشلوا في مواجهة هذا التحدي، واستسلموا للإدانات الليبرالية لـ”الإرهاب” و”التفجيرات”. ومع التفجيرات والهجمات على المدنيين، “صاح اليسار الفرنسي بأكمله، في انفجار جماعي متفق عليه: لم نعد قادرين على اتباعكم [16].
في مقال ثانٍ، جادل فانون بأنه لا حياد في الأزمة والحرب المتصاعدة، وأنه لا يوجد فرنسي بريء في الجزائر: “كل فرنسي في الجزائر في الوقت الحاضر هو جندي عدو. وطالما لم تتحقق استقلالية الجزائر، يجب قبول هذا الاستنتاج المنطقي”. وكشف أن الحرب من أجل التحرر، خلافًا لرغبات اليسار والديمقراطيين، لا تسعى إلى “الإصلاح” بل إلى “الجهد العظيم لشعب جُمد وتثمل، ويسعى الآن لإعادة اكتشاف عبقريته الخاصة”. وكتب فانون أن أحد أسباب فشل اليسار الفرنسي والمثقفين والأحزاب والمجموعات التقدمية هو الطبيعة المميزة للاستعمار في الجزائر:
“الاستعمار الفرنسي في أفريقيا جنوب الصحراء قائم على الحق في الملكية، بينما في الجزائر، منذ البداية، تم تأكيد علاقات الهوية… فقد قدّر أن أفريقيا جنوب الصحراء كانت أرضًا فرنسية، لكن لم يُقدّر أبدًا أن أفريقيا جنوب الصحراء هي فرنسا”. [19]
أدرجت فرنسا الجزائر رسميًا ضمن فرنسا في عام 1848، بنفس الهيكل الإداري الموجود في الأرض الرئيسية . لذلك، يجادل فانون بأن الإمبرياليين الفرنسيين قد زعموا أن الجزائر كانت جزءًا لا يتجزأ من فرنسا، وليست مجرد مستعمرة. ومن ثم، هناك، بحسب فانون، تمييز بين الاستعمار الفرنسي في أفريقيا جنوب الصحراء و“علاقات الهوية” في الجزائر.
يجادل مقال ثالث بأن موقف اليسار الفرنسي كان بمثابة سجنًا لليسار بقدر ما كان سجنًا للبلاد: “تجد فرنسا نفسها أسيرة غزوها، وغير قادرة على أن تنفصل عنه… أو أن تبدأ من جديد”. كان فانون محقًا، لكنه كان قاسيًا أيضًا. كانت تعميماته في هذه المسائل غالبًا بعيدة عن الدقة. فقد قدّم اليسار الفرنسي تضامنًا واسعًا ومهمًا، ودعمًا سياسيًا، ومشاركة فعّالة في النقاشات الأيديولوجية خلال الثورة. وغالبًا ما جاء هؤلاء المناضلون المهمون، وإن كانوا هامشيين، من اليسار المناهض للستالينية، ومن مجموعات يسارية صغيرة وتروتسكية. وعلى الرغم من صِغَر حجمهم، كان إسهامهم مهمًا. اختتم فانون المقال باعتراف بهذا الدعم :
إن جبهة التحرير الوطني تحيي الفرنسيين الذين تحلّوا بالشجاعة لرفض حمل السلاح ضد الشعب الجزائري… ويجب أن تكثر هذه الأمثلة حتى يتضح للجميع… أن الشعب الفرنسي يرفض هذه الحرب. [21]
كتب فانون بخطوط عريضة وبتعميمات واسعة عن اليسار الفرنسي و”المثقفين الديمقراطيين”. لقد سعى إلى فضحهم وعن المنظمات الكبيرة اليسارية المؤثرة لأنه كان يأمل أن يعودوا إلى رشدهم. ففي نظر فانون، كان دعم الثورة الجزائرية شرطًا واضحًا لأي اشتراكي يحترم نفسه. جادل فانون بأن الحياد كان خدعة. وقد أدان كلًّا من اليساريين غير الشيوعيين، الذين كانوا يخشون أن تقع الجزائر الحرة في أيدي السوفييت أو “الأنجلوساكسونيين” (أي الولايات المتحدة)، والحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كان يخشي من احتمال أن يكون لدى الجزائريين ما قد يعرقل النفوذ السوفييتي وتقدّمه بعد استقلال البلاد. كان الشيوعيون الفرنسيون يتخيلون قيام تحالف بين فرنسا، مع دور مهيمن لحكومة يقودها الحزب الشيوعي الفرنسي، والجزائر.
لم يوجّه فانون حججًا ضد الطبقة العاملة الفرنسية، بل دعا بدلًا من ذلك إلى التضامن وإلى القيام بإضرابات:
تتوجّه جبهة التحرير الوطني إلى اليسار الفرنسي… وتطلب منه تشجيع كل إضراب يقوم به الشعب الفرنسي ضد ارتفاع تكاليف المعيشة، والضرائب الجديدة، والقيود على الحريات الديمقراطية في فرنسا، وكلّها نتيجة مباشرة للحرب الجزائرية.
ومع ذلك، رفض فانون بعض الصياغات الكسولة التي ادّعت وجود علاقة مباشرة وواضحة بين الطبقة العاملة في المدن الكبري والثورة الجزائرية. وغالبًا ما استُخدمت هذه الفكرة من قبل أولئك الذين كانوا يسعون إلى التسوية وحلٍّ تفاوضي بدلاً من الاستقلال التام والنضال الثوري. بالنسبة لفانون، كانت العلاقة أكثر تعقيدًا. فالاستعمار كان نظامًا شاملاً من الاحتلال العسكري والقمع الذي تمارسه دولة أجنبية، “تنظيم هيمنة أمّة بعد الغزو العسكري”.[23] كان على العمال الفرنسيين أن يدركوا هذه الحقيقة. كيف يمكنهم أن يأملوا في تحرير أنفسهم من دون إزالة القناع الاستعماري ومحاربة القمع الذي يُمارس ضد الجزائريين باسمهم؟ كان الشعبان مرتبطين، لكن ليس في تماثل بسيط. فقد يتمكن الجزائريون من تحقيق التحرر الوطني من دون مساعدة الطبقة العاملة الفرنسية. أمّا هذه الأخيرة، فلن يكون بإمكانها أبدًا أن تأمل في التخلص من اضطهادها الخاص من دون إدانة دولتها العنصرية.
بالنسبة لفانون، فإن العنصرية والاستعمار – ومفاهيم التفوق والدونية التي يقومان عليها – كانا يحاصران العنصريين أنفسهم، فينكران ويقيّدان إنسانيتهم بقدر ما يقيّدان إنسانية المُستعمَرين وضحايا العنصرية. كان عمل فانون في تلك الفترة محاولة لرفع مستوي الوعي . وكانت هناك بوادر مقاومة للحرب: التراجع المتزايد لشعبية الحرب في فرنسا ، وعمليات الفرار الكبيرة من القوات المسلحة. وقد اعتقد فانون أن مثل هذه المقاومة ستبدأ في تفكيك نظام الاستغلال في الشمال العالمي، ولكن فقط عندما تكفّ الطبقة العاملة الأوروبية عن لعب، كما وصفها، “لعبة الأميرة النائمة”. [24]
شعر فانون بخيبة أمل وغضب لأن ما كان ينبغي أن يكون واضحًا لأحزاب اليسار الفرنسي الرئيسية — دعم القضية الجزائرية ومحاربة الاستعمار— قد تم التلاعب به وتشويهه، وغالبًا ما تحوّل إلى نقيضه. كان الحزب الشيوعي الفرنسي قد حاول بجدية تجنيد النقابيين الجزائريين، وجذب العديد منهم إلى النقابات والنشاط داخل أماكن العمل. وعلى مدى خمس سنوات، أصدر الحزب حتى جريدة شهرية حول القضايا الجزائرية بعنوان الجزائري في فرنساL’Algérien en France. ومع ذلك، كان الحزب قد ابتعد عن جذوره البلشفية، التي أكّدت دعم حركات التحرر الوطني بوصفه شرطًا مسبقًا للحركات والسياسات الشيوعية[25]. والآن، جادل الحزب بأن تحقيق الاشتراكية من قبل الطبقة العاملة في أوروبا وحده هو ما يمكن أن يمنح الحرية للجزائريين. قد تنال الجزائر استقلالها، لكن القيادة الاشتراكية ستأتي من الطبقة العاملة الفرنسية المنظّمة نقابيًا والناضجة سياسيًا.
عندما ندّد اليساريون خارج الحزب الشيوعي الفرنسي بالحرب، كانوا غالبًا يكررون نهج الحزب الليبرالي الجمهوري ، مطالبين بـ”السلام” ومصرين على إنهاء العنف من كلا الجانبين. وكانت الجهل بالأوضاع في الجزائر بين المثقفين اليساريين البارزين، بمن فيهم شخصيات مثل الفيلسوفة والروائية سيمون دو بوفوار، صادمة. كتب كلود لانزمان، الصحفي والمخرج والناشط اليساري الفرنسي، بقدر كبير من الصراحة عن رحلة قام بها إلى الجزائر مع دو بوفوار عام 1954، قبل بضعة أشهر من انتفاضة نوفمبر: “براءتنا، عنادنا، هوسنا السياحي بجمال الصحراء… كانت اهتماماتنا فلكلورية بشكل لا يغتفر… استغرقني الأمر سنوات لأتخلى عن الصور النمطية، ولأتصالح مع الواقع، مع تعقيد العالم” [26].
ومع ذلك، يجب ملاحظة أن دو بوفوار اتخذت أيضًا بعض المواقف الممتازة بشأن الحرب. المشكلة الحقيقية كانت تكمن في وزيري الحكومة موليه وفرانسوا ميتران[27]. فقد كانا جاهلين بالمجتمع الجزائري، وقد كلفهم جهلهم آلاف الأرواح. ولحسن الحظ، كان هناك مثقفون يساريون كانوا يعرفون ما يجري، مثل فرانسيس وكوليت جانسون، الذين تنبأوا بطول الحرب، وعودة شارل ديغول إلى السلطة في فرنسا، وانتصار الجزائر. كما وقف الأوروبيون “حاملو الحقائب” – وهم الذين نقلوا الأسلحة والأموال لجبهة التحرير الوطني – وبعض المثقفين دعما كاملاً للجبهة وانتقدوا خيانة اليسار بشدة.[28]
ومع ذلك، عندما أدان المثقفون والمنظمات في باريس “التعذيب”، لم يوافقهم فانون الرأي بشكل مختزل. فالتعذيب كان، أداة لا غنى عنها استخدمها المستعمِرون؛ كان يجذب الجنود الفرنسيين ويُفسدهم، سواء الضباط المحترفين منهم أو المجندين. ومع ذلك، حدّد فانون أيضًا وهاجم بعض الأوهام الليبرالية التي رأت في التعذيب انحرافا – شرا يشوّه أخلاق الفرنسيين وتقاليدهم الجمهورية. وكان فانون يرى أن هذا التفكير لا يزال يفشل في الانفصال عن أوهام العدالة والحضارة الفرنسية، التي رفضها رفضًا كاملًا، وكتب عن “الشكل الأناني والمنغلق ذاتيًأ واجتماعيًا للفكر الذي أصبح سمة من سمات الفرنسيين” [29] .
ماذا عن الضحايا الجزائريين، تساءل؟ ماذا عن النساء اللواتي يُغتصبن؟ ماذا عن القرى التي أُحرقت وتعرضت للوحشية؟ هذه الإدانات “المعبرة عن القلق” من العنف والتعذيب كانت تُكرّس الصور الاستعمارية عديمة الوجه للجزائريين، حيث أُبيدت شخصيتهم القانونية والسياسية على يد الفرنسيين. جادل فانون بأن التعذيب كان يمثل الأداء الطبيعي للاستعمار، وليس ظاهرة غير عادية أو استثنائية. كما لاحظ وجود ميل إلى اختزال الثورة الجماعية إلى سرديات عن الشجاعة الفردية والبطولة الشخصية.
توقع فانون الكثير من اليسار. أثناء وجوده في فرنسا عام 1957، كان يأمل أن يشهد حركة تضامن تشمل جميع مجالات المجتمع. ولكنه قوبل بدلاً من ذلك، باللامبالاة وعدم الإهتمام من المثقفين اليساريين. كان على اليسار أن يخرج من الإطار الضيق للتفكير الاستعماري والجمهوري، ويدعم الثورة الجزائرية دون تردد، ويدين التعذيب صراحة بوصفه نتيجة طبيعية للاستعمار الفرنسي [30].
كان فانون أدرى من المثقفين الباريسيين (و من أي شخص آخر) بمعنى التعذيب. لقد تعامل مع ضحايا التعذيب كطبيب، ومع مرتكبيه أيضا؛ حيث سيتعرض كلاهما بعدها لصدمات مدى الحياة. كما تخيل فانون جزائرًا مستقلة أكبر بكثي، وهي الرؤية نفسها لآلاف المناضلين الجزائريين من أجل الاستقلال. يوضح آدم شاتز، في كتابه المنشور في نوفمبر 2023:
لم تقتصر رؤية فانون للتحرر من الاستعمار على المسلمين المستعمَرين فقط، الذين يحررون أنفسهم من نير القمع الاستعماري، بل شملت أيضًا أعضاء الأقلية الأوروبية واليهود (الذين كانوا بدورهم مجموعة سكان “أصلية” سابقًا في الجزائر)، طالما انضموا إلى النضال من أجل التحرير. في كتابه( استعمار يحتضرA Dying Colonialism )، قدّم فانون تحية بليغة لغير المسلمين في الجزائر الذين، مع رفاقهم المسلمين، تخيلوا مستقبلًا تُحدد فيه الهوية والمواطنة الجزائرية من خلال القيم المشتركة، وليس العرق أو الدين. [31]
العبارة المفتاحية في وصف شاتز لرغبة فانون العميقة في جزائر ما بعد الاستعمار التي تشمل المسلمين وغير المسلمين هي: “طالما انضموا” إلى النضال من أجل حرية الجزائر. كان هذا التضامن ضروريًا -شرطًا مسبقًا – لتحقيق حريتهم الخاصة من قبضة العنصرية والأمراض الاستعمارية القائمة على التفوق والدونية. لم تكن هذه تطلعات ساذجة بل كانت متداولة على نطاق واسع بين مختلف العناصر في النضال المناهض للاستعمار.
جادل فانون بأن للعنف دورا اساسيا لتحطيم الإستعمار القائم علي التفوق والدونية. لسوء الحظ، فإن الكثير من التعليقات الحديثة على أفكاره قد أساءت فهم أفكاره الدقيقة والمتوازنة لدور العنف في حركات التحرر.
حول العنف والنضال
بعض أسوأ التعليقات حول فانون في الأشهرالأخيرة، استخدم لإدانة حماس، والتي يُفترض أنها، بحسب كلمات الصحفي الأمريكي إيلي لايك، النسخة الفلسطينية من النازيين أو جماعات تفوق العرق الأبيض.
“أفراد حماس ليسوا إنسانيين. إنهم فاشيون. إذن، لماذا وجد عدد كبير من مواطنينا ممن يُفترض أنهم الأكثر تعلما أنفسهم يبررون، ويدافعون، وفي بعض الحالات حتى يحتفلون بوحشية السابع من أكتوبر؟”
“يُدافع” لايك عن فانون من خلال إدانة “المثقفين” بسبب دعمهم لحماس: “الاحتفال بمجزرة السابع من أكتوبر ليس تضامنًا مع تعساء الأرض. إنه تبريرٌ مختلّ لقتل اليهود جماعيًا”. [32]
على عكس الكثير من منتقديه المعاصرين، فهمَ فانون التعقيدات الهائلة للعنف، وكيف يمكن أن يتطور إلى صدمة عميقة يصعب معالجتها. وفي هذا الصدد فقط، كان الصحفي البريطاني رالف ليونارد محقا عندما كتب في منتصف أكتوبر 2023: “إنّ رؤية فانون للعنف أكثر دقّة مما يمنحه أنصاره أو منتقدوه الفضل فيه.” [33]
في العمل العظيم الأخير لفانون، معذبو الأرض، الذي نُشر عام 1961، طوّر أفكاره حول العنف والتحرر الوطني. كُتب في نهاية حياته، عندما كان يعلم أنه يحتضر، وكانت حججه حول العنف عبارة عن سلسلة من الضربات القوية المتكررة على النقطة نفسها—القوة هي غاية الاستعمار، وبالتالي فإن العنف المناهض للاستعمار هو الرد الواجب . وبمجرد أن يلتزم المستعمَرون بهذا النهج من الفعل، فلا مجال للتراجع.
يخبرنا فانون أن حزب الأرض والحرية الكيني (المعروف شعبيًا باسم ماو ماو) كان يلزم كل عضو بتوجيه ضربة للضحية، مما يورّط كل واحد منهم فورًا في مقتل المستوطن. وبهذه الطريقة، يربط العنفُ الأهلي بالنضال. إن عنف الأهالي يتناسب مع عنف نظام المستوطنين، رغم أنه لا توجد مساواة حقيقية لأن “الرشّاشات من الطائرات والقصف من الجو”—وكلاهما كان شائعًا في الحرب الجزائرية—يتجاوزان بكثير أي شيء يستطيع الأهالي القيام به.
فانون فهم مسألة العنف المعقدة. ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نُبالغ في تقدير أصالة حججه. فعلى سبيل المثال، جادل كارل ماركس و فريدرك إنجلز قبل فانون بأكثر من مئة عام بأن الثورة الاشتراكية ضرورية للتحرر الإنساني، لأنها الطريقة الوحيدة لهزيمة الرأسمالية، ولكن أيضا لأن العمال يحرّرون أنفسهم في عملية صنع الثورة. وبكلمات ماركس، لا يمكن للكتلة المضطهدة أن تتخلص “بنفسها من كل أوساخ القرون وتصبح مؤهلة لتأسيس المجتمع من جديد” إلا من خلال المشاركة في الثورة [34] . ومن المثير للاهتمام أن فانون وجد مساره الخاص نحو منظور مماثل يشدّد على الدور النفسي المركزي للعمل الثوري والمقاومة المسلحة [35] . إن كتاب فانون الصادر عام 1959، استعمار يحتضر، مكرّس بالكامل للتحول الثوري للمجتمع الجزائري من الأسفل.
شدد فانون على التمييز بين عنف المضطهِد وعنف المضطهَدين. علاوة على ذلك، عمّق فهمنا للأثر التحولي الذي لا يمكن إنكاره، أو “إعادة التفكير”، في العنف الثوري. وفي بعض الأحيان، في ممارسته السياسية، رفع فانون المقاومة المسلحة إلى مرتبة “النضال الحقيقي” الوحيد الذي سيُحدث “تحولًا جذريًا” للمضطهَدين. ومع ذلك، يُظهر فانون في كتابه الأخير أنه كان مفكرًا دقيقًا ومعقدًا بشأن كيفية قدرة العنف على عكس شعور عميق بالدونية بين الفقراء والمضطهَدين. لم يُؤيّد العنف أبدًا بوصفه الأداة السياسية الأساسية. وعلى أي حال، فإن في نقد فانون للتحرر الوطني، وللطبقة المستفيدة التي تقوده، الكثير الذي ما زال يجب أن نتعلمه منه.
نقد فانون للتحرر الوطني
في كتاب معذبو الأرض، الكتاب الأخير البارز لفانون، والذي كُتِب على عَجَل، يتحدث عن مجموعة متنوعة من “شياطين” القومية، ولا يرضى بقبول الإجابات السهلة. فالوصول إلى الاستقلال ، يمنح المستعمَرين “نوعًا من التعويض”، لكنه لم يُتِح لهم بعد الوقت لبناء مجتمع أو بناء قيم و ترسيخها . وتجد الأمة الجديدة نفسها واقعة في حالة من “التردد” [36]. ولِكَسْر “لعنة الاستقلال” المحتملة، يتحدث فانون عن ضرورة توظيف “القوى الإنتاجية” الهائلة في العالم لمواجهة فقر العالم النامي . فالهدر الناتج عن سباق التسلح النووي يمكن، “في غضون خمسة عشر عامًا، أن يرفع مستويات المعيشة في البلدان غير المتطورة بنسبة 60 بالمئة”.[37]
كما يتناول بشكلٍ صريحٍ نقاطَ الضعف في الاستقلال الوطني وضرورة رفع مستوى الوعي. وقد غاب هذا العنصر الحيوي في تحليل فانون عن معظم الدراسات الحديثة التي تناولت أعماله.[38] وقد جُمِع جزء كبير من المواد (الملاحظات والقراءات الواسعة) التي غذّت الغضب العارم والقوة الوصفية في كتابه الأخير خلال رحلاته نيابةً عن الحكومة الجزائرية المؤقتة، وكذلك من خلال اتصاله المباشر بالبرجوازية الوطنية في جبهة التحرير الوطني. [39]
على الرغم من أن فانون قد احتفى بالثورة الجزائرية، ودعا إلى التضامن والدعم من اليسار الفرنسي والدولي، فإنه لم يكن يكتب كتابًا دعائيًا لجبهة التحرير الوطني. في الواقع، يبلغ ذروته كمحلّل لعملية نزع الاستعمار عندما يوجه اهتمامه إلى القيود المأساوية للتحرّر الوطني نفسه. وهكذا يرى فانون أن القومية تتحوّل إلى لعنة: “قشرة فارغة؛ ومحاكاة ساخرة، فظة وهشّة، لما كان يمكن أن تكون عليه.” [40]
يرى فانون أن السبب في تراجع الدول حديثة الاستقلال بسرعة بعد نيلها الاستقلال يكمن في الطبقة الوسطى. قد تكون هناك أسباب أخرى منها “تشويه الشعب المُستعمَر بفعل النظام الاستعماري” غير أن التركيز الأساسي لدى فانون ينصبّ على حالة الفقر الفكري والروحي التامة لدى الطبقة الوسطى الوطنية التي قادت أحزاب التحرر الوطني. فهذه الطبقة متخلفة ولا تمتلك أيا من خصائص البرجوازية في الدول الحضرية. عقليتها هي عقلية “رجل الأعمال”، لا “قبطان الصناعة”، ودورها هو دور الوسيط الذي يريد “البقاء في اللعبة وأن يكون جزءًا من المغانم” [41]. كان ينبغي لهذه البرجوازية الوطنية الضئيلة والفقيرة أن توظّف المهارات التي اكتسبتها في الجامعات الاستعمارية لخدمة الأمة الجديدة، لكنها بدلًا من ذلك وضعت روحها في خدمة مصالحها الخاصة وطمعها.
لقد قامت الأحزاب القومية في الغالب بالحشد اعتمادًا على شعارات الاستقلال فحسب. ومع ذلك، كانت جاهلة فيما يخص قضايا التحوّل الاقتصادي. وصف فانون معرفتها بأنها ضئيلة ، إذ لم تكن سوى “إلمام تقريبي وأكاديمي بحت بموارد بلدهم الفعلية والمحتملة”[42] . وعندما يتحقق الاستقلال الوطني، تجد الطبقة الوسطي المتخلفة ، التي لا تمتلك رأس مال وترفض البديل الشعبي أو الثوري، نفسها في حالة من “الركود المؤسف”. وبدلًا من تطوير الصناعة الكبرى والتنمية الاقتصادية، تصنع هذه الطبقة من الطبقة الحرفية ومن المنتجات “المحلّية” معبودًا جديدًا.
في نبوءة مقلقة عن واقع الاقتصاد ما بعد الاستعمار، يكتب فانون عن كيف تصبح هذه الطبقة مهووسة بـ “المحاصيل القديمة”: الكوكا، والفول السوداني، ومحاصيل الزيتون. وقد طوّر الاقتصاد الاستعماري أيضًا قطاعات ومناطق غنية بالنحاس والماس وغيرها من الموارد. ولم تنشأ أي صناعات جديدة؛ فمحاصيل النقد الاستعمارية تُصدَّر كما كانت دائما، دون أي معالجة. يا له من واقع مؤثر بالنسبة لتلك البلدان التي ما تزال تعتمد على هذه المحاصيل النقدية التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية حتى اليوم .
يركّز فانون بثبات على الإطار المفاهيمي لفكرة الأمة؛ فبالنسبة له، فإن “الطبقة القومية” تفشل في العمل من أجل تطوير الأمة. ومع ذلك، فإن المالكين الجدد للأراضي الزراعية سيُضاعفون معدلات الاستغلال باسم التنمية “الوطنية”. وترفض البرجوازية الزراعية الجديدة المزعومة أن تستثمر أرباحها في تقنيات زراعية مبتكرة، وتتبنّى بدلًا من ذلك سمات نظرائها في الغرب: الضياع الريفية، والسيارات، واستغلال الثروة.
الطبقةُ الوسطى الوطنية “ترفع عاليًا فكرة تأميم وأَفْرَقة الطبقات الحاكمة” لخدمة مصلحة الأمة. وسرعان ما تتسرب هذه السياسات إلى الطبقة العاملة، والعاطلين عن العمل، والحرفيين الصغار-كما يجادل فانون- . وسرعان ما ينتقل الخطاب القومي “إلى القومية المتطرفة، ثم الشوفينية، وأخيرًا العنصرية”[43] . تنبع هذه الحالة من عجز البرجوازية الوطنية عن صياغة رؤية للعالم، فترجع بدلًا من ذلك إلى المواقف القبلية القديمة والأحكام المسبقة العنصرية. ويمكن لهذا الشوفينية الوطنية أن تتحوّل بسهولة إلى نزعة إقليمية .
كانت عبقرية فانون في أنه نزع القناع عن التحرّر الوطني والاستقلال في اللحظة نفسها التي كان يتحقّق فيها هذا التحرر. فالاستقلال، كما يشرح، “ينهار إلى نزعة إقليمية داخل القشرة الجوفاء للقومية ذاتها”[44]. وبمجرّد أن يتحدى الاستعمار بقوة التعبئة التي تولدها الوحدةُ الوطنية، فإنه “يستعيد توازنه ويحاول الآن تحطيم إرادة الوحدة تلك”[45]. وتُفاقَم المنافسات الدينية؛ ففي المناطق التي يسود فيها المسيحية، تلقي الأقلية المسلمة نفسها بحماسة غير معهودة في عباداتها ”.[46]
أفريقيا التي كانت موحدة للحظة من أجل إنهاء الإستعمار ، أصبحت منقسمة مرة أخري بسبب العنصرية الصارخة بين شمال أفريقيا “المتوسطية” (انظر “الأوروبية”) و أفريقيا السوداء التي كانت توصف بأنها منطقة خاملة ووحشية و غير متحضرة – باختصار همجية [47] وفي إنقلاب شنيع ، تجد الإهانات المتعلقة بما يفترض من تمييز جنسي لدي العرب، والحجاب، وتعدد الزوجات – التي كان المستطونون يتفوهون بها سابقا – أفواه جديدة تكررها . [48] وليس هذا بصدفة بل يتحدث عن استيعاب الطبقة المتوسطة الوطنية لأكثر أشكال الفكر الإستعماري فساد : “فبكسلها ورغبتها في التقليد، تُسهِم في تصلب العنصرية الذي كان سمةً للعهد الاستعماري.”[49] وقد وصلت البرجوازية الوطنية إلى السلطة تحت راية “القومية الضيقة”، وهي عاجزة عن وضع حتى برنامج إنساني بالحد الأدني :
قبل الاستقلال، يجسّد القائد عادةً تطلعات الشعب نحو الاستقلال، والحرية السياسية، والكرامة الوطنية. ومع ذلك، ما إن يُعلَن الاستقلال… حتى يكشف القائد عن هدفه الداخلي: أن يصبح الرئيس العام لتلك المجموعة من المتربحين الذين يلهثون وراء أرباحهم، والذين يشكّلون هذه البرجوازية الوطنية. وتعود القنوات الاقتصادية للدولة الناشئة حتمًا لتسير على خطوط الاستعمار الجديد. [50]
سرعان ما سيرى الشعب – وفقًا لفانون- الانحدار “غير المفهوم” للقيادة الوطنية والطائفة البرجوازية. فالقائد يصبح الآن ذو وظيفة مركزية بحكم خبراته في العمل السياسي وسجله الوطني ، يلعب دور “الحاجز” بين الشعب والبرجوازية الجشعة، أي “قوة كابحة لإيقاف وعي الشعب”.[51] ومع ذلك، بالنسبة لغالبية الناس، لم يتغير شيء. فالعلم الوطني ليس بديلًا عن عمليات التنمية الحقيقية . وإذا كان الاستقلال مجرد قشرة، فإن الحزب الوطني كذلك. المغانم الوطنية ومتطلبات الشعب هائلة. ومع مرور الوقت، يتحوّل الحزب بشكل متزايد إلى أداة للقمع والمحسوبية، يُعمِي الشعب بضباب من الحنين للماضي ويُحيطه بأسلاك شائكة. وتصبح الشرطة والجيش أدوات أساسية، تزداد قوتها وسلطتها بشكل متوازي مع ركود الأمة. وتنتشر الفساد في كل طبقة من أجهزة الدولة.
يقارن فانون البرجوازية الوطنية الجديدة بأعضاء العصابات “الذين، بعد كل عملية سرقة، يخفون نصيبهم من الغنائم عن باقي الشركاء”[52] . تؤدي مستويات الخداع والاستغلال المتزايدة إلى الاستياء وتفاقم المعاناة، ويصبح النظام أكثر قمعًا. ومع غياب البرلمان أو عدم أهميته، يتحوّل الجيش إلى الحكم الأساسي. واستند فانون في هذا التحليل إلى كل من ملاحظاته الخاصة لاستقلال أفريقيا ودراسته لأمريكا اللاتينية. كما يدين البرجوازية الوطنية لأنها لم تتعلم شيئا من الكتب : “لو كانوا نظروا بعمق إلى دول أمريكا اللاتينية، لكانوا بلا شك قد أدركوا المخاطر التي تهددهم.” [53]
يجب أن تتحول القومية إلى وعي اجتماعي وسياسي، وأن تتطور بسرعة إلى إنسانوية عالمية. فقط عندما يُشمل الرجال والنساء على نطاق واسع يكتسب الوعي“الهيئة والجسد”. وتتوقف الأمة عن أن تكون مجرد علم، فتتجه بدلًا من ذلك إلى الريف والنشاط الذاتي للشعب خارج المدن والبلدات. والحكومة الحقيقية الوحيدة للاستقلال هي “للمنبوذين وبيد المنبوذين”. [54]
إن وصف فانون للبرجوازية الوطنية مدين وعبقري في الوقت نفسه. فقد سافر عبر غرب وشمال أفريقيا، وكان أيضًا مطّلعًا على الكاريبي ودرس تاريخ ومأساة استقلال أمريكا الجنوبية. وفي أفريقيا، رأى قارة بدأت تقف على قدميها، لكنها كانت بالفعل تقع تحت تأثير المثقفين القوميين. يحذر فانون القارئ من دور “جماعة المتربحين” ويقدّم تعليمات محددة جدًا لمحاربة نمو هذه “الطائفة” بأي ثمن. فإذا سُمح لهؤلاء “المتربحين” بالنمو والتطوّر، فلن يثمر الاستقلال شيئًا؛ بل ستركد الأمة وتدخل في حالة من الانحلال. وهنا يظهر فانون كطبيب يحدّد مرضًا لم يستطع حتى الآن الانتصار على جسد الأمة. ومع ذلك، فإن أعراضه، التي كانت مسيطر عليها بفضل الرقابة والتعبئة الشعبية، ستتفشي بشكل واضح عند الاستقلال وتصيب كل جزء من جسد الأمة، ما لم يتم القضاء على المرض (“الطائفة المتربحة”) بواسطة المنبوذين.
يُدخِل فانون الصراع الطبقي في تحليله. فالمهمة الأساسية والعاجلة للدولة الجديدة هو الكفاح ضد الأعداء الجدد داخليا. فالوحدة الوطنية ما هي إلا غطاء يُخفي حقائق جديدة وتهديدات كامنة. ويجب على الأمة بعد الاستقلال أن تتحرك بسرعة لتقويض البرجوازية الوطنية. ويؤكد فانون بحزم أن المرحلة الوطنية لا يمكن تجاوزها. وللتغلّب على القومية و تجنب التراجع ، يصر على أنه يجب اتخاذ خطوة سريعة للإنتقال من الوعي الوطني نحو الوعي السياسي والاجتماعي.
فقط مع زوال “الاستعمار” “والمستعمَرين” يمكننا أن نطمح إلى مشروع عالمي للتحرر. وكان على الثورات من أجل التحرر الوطني أن تدرج السياسات الاشتراكية والمناهضة للرأسمالية -كما دعا فانون- في برامجها للتحوّل. فلا يمكن للثورة أن تتحقق بعد أن يكون التحرّر الوطني قد تحقق بالفعل.
يمكن قراءة أعمال فانون كمحاولة لمنح التمرد الشعبي في الجزائر (وفي أماكن أخرى من العالم المستعمَر) مزيدًا من الحياة والاستقلالية، وبنائه ليكون جاهزًا للمخاطر التي تواجهه قبل فوات الأوان. وعلى الرغم من عبقرية مساهمته، إلا أنها لم تستطع أن تحل محل عمل جبهة التحررالوطني، التي ظلت مهيمنة حتى النهاية. ومع ذلك، أدرك فانون أن أحزاب التحرر الوطني ونزع الاستعمار نفسها كانت محدودة بطبيعتها.
الطبقة والتحرر والثورة
ما القوى الاجتماعية التي رآها فانون بمثابة خلاص للثورة الجزائرية وللتحرّر عمومًا؟ للأسف، كان أبطال فانون الحقيقيون في كتابه الأخير هم الفلاحين. ومع ذلك، فإن الفلاحين، أولئك الذين وصفهم بـ“معذبو الأرض”، فشلوا في لعب دور “مستقل” أو في قيادة النضال من أجل التحرّر الوطني في أي مكان على القارة الإفريقية، بما في ذلك الجزائر. فعندما كانت هذه الطبقة نشطة ، كانت تحت سيطرة مثقفين راديكاليين أو، في حالة جبهة التحرر الوطني، القيادة المنفية في القاهرة. وعلى الرغم من أن جزءًا كبيرًا من أعمال فانون هو نداء واضح من أجل الفعل الذاتي و“التحوّل الجذري” لوعينا في خضم النضال، فإنه يحدّد في الفلاحين ثواره النموذجيين. وكان عالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديو، الذي تمركز لفترة في الجزائر خلال الحرب، لاذعًا في انتقاده لهذا التصور ، إذ كتب أن الفلاحين “غير قادرين على تحديد أهدافهم إلا على نحو عاطفي وسلبي… ينتظرون أن يُكشف لهم مصيرهم”.[55]
لقد احتفى فانون بحق بالنضال المناهض للاستعمار في فيتنام، الذي كان من المفترض أنه حركة فلاحية. إلا أن الحقيقة أنه كان موجَّهًا من قِبل نخبة ثورية من المثقفين استولت على عملية اتخاذ القرار الشعبي وأمسكت بزمام التحرر الوطني بقبضة لا تعرف الرحمة.[56] لم يكن الفلاحون هم القوة التي تصورها فانون. فمثل كثيرين، تأثر بتفسيرات ماوية للاشتراكية ركّزت على الدور المركزي للفلاحين في النضال الثوري، وعبّرت عن ارتياب عميق تجاه الطبقة العاملة. ونتيجة لذلك، آمن فانون بالحجة الشائعة التي تقول إن العمال المنظّمين قد تم “شراؤهم” فعليًا عبر أرباح الاستغلال الإمبريالي. ويقر كتاب معذّبو الأرض بالدور الذي أعطاه ماركس للطبقة العاملة علي الفلاحين. وهذا يُظهر فشلاً في تقدير ما كان ماركس يسعى لترسيخه لدى جمهوره عندما شدد على الدور المحوري للطبقة العاملة وعلاقتها بالمضطهدين.
وبالإضافة إلى سوء الفهم لمفاهيم ماركس حول الطبقة والتحرر الذاتي للطبقة العاملة، ساهم فانون في الترويج لأسطورة تقول إن العمال شكّلوا شريحة مُتميّزة داخل المجتمع الإفريقي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. وحتى نظرة سريعة في الأدبيات الأكاديمية تُظهر أنه في كل منطقة من إفريقيا وكذلك في الشرق الأوسط لم تكن الطبقة العاملة أبدًا طبقة مُميّزة.[57] علاوة على ذلك، فإن التاريخ الفعلي لنضالات الطبقة العاملة في شمال إفريقيا، وفي جزء كبير من إفريقيا خلال مرحلة إنهاء الاستعمار، يتناقض تمامًا مع وصف فانون. وبالفعل، فإلى جانب ترويجه لهذه الفكرة الخطيرة حول امتياز الطبقة العاملة، أشار أيضًا إلى الدور القيادي المفترض للفلاحين والبروليتاريا الرثة في الجنوب العالمي.[58] لقد حال عداؤه الصحيح تمامًا للحزب الشيوعي الفرنسي والستالينية دون تطوير فهم أعمق للماركسية.
وفي هذا السياق، فشل فانون أيضًا في رؤية ما كان يحدث داخل المجتمع الجزائري. فحتى في أوائل الخمسينيات، كانت الطبقة العاملة الجزائرية هي التي استوعبت مفهوم التضامن والأممية؛ فمنذ بداية النضال في فيتنام، قبل عام 1954، رفض عمّال الموانئ الجزائريون تحميل المواد الحربية أو حتى السلع التجارية المتجهة إلى فيتنام أو القادمة منها. وفي عام 1953، قاد عمّال الموانئ وعمال البناء في وهران، وهي ثاني أكبر مدن الجزائر، مظاهرات جماهيرية ضد محاولة إلغاء الانتخابات المحلية. وفي ذلك العام، حدث أكثر من 220 إضرابًا، شارك فيها أكثر من 270,000 عامل.[59]
ومع ذلك، فإن هذا يترك أمامنا قضية مهمة . فالماركسيون لا يحددون ببساطة الطبقة العاملة بوصفها قوة قادرة على تحقيق التحرر؛ بل نراها، وهذا هو الأهم، طبقة تمتلك قدرة فريدة على تشكيل هذا التحرر في عالم يُعاد بناؤه عبر الممارسة الثورية. كان فانون أعمى عن فعالية الطبقة العاملة على الرغم من الإضرابات والتعبئة التي كانت تجري من حوله (بما في ذلك، على نحو لافت، تلك التي في الجزائر عام 1960).[60] وقد جرى مرارًا إزاحة هذه القوة، وتهميشها، وفي النهاية تحطيمها على يد مقاتلين مسلحين تزايد تخصصهم في القتال على حدود الجزائر وفي الولايات الريفية داخل البلاد.
ومع ذلك، فإن ما يبعث علي الإعجاب في فكر فانون هو أنه بدأ يتناول إمكانية التغيير الثوري عالميا . فقد كانت الفكرة المضمنة في تفكيره هي أن التحرّر الوطني سيكون لعنة ما لم يتحوّل إلى نضال اجتماعي واقتصادي دائم، يمكنه أن يتجاوز حدود الدولة القومية. ومن بين أنقاض الماركسية الستالينية، صاغ فانون مساره الخاص نحو مفهوم التحرر الدائم الأممي. فلا يمكن لإنسانيتنا أن تنبثق إلا على أساس مثل هذا التحرّر الكامل .[61]
خاتمة
فانون ليس عرافا، ولا ينبغي استدعاؤه، كما يتم كثيرًا، مجردًا من سياقه التاريخي، ومدانًا بدعوى أنه دعا إلى العنف في كل فرصة متاحة. ومع ذلك، يقدّم لنا فانون عددًا من الدروس المهمة، ويمكن أن يكون دليلًا حيويًا إذا فهمناه في الظروف التي كتب فيها. أحد هذه الدروس هو الضرورة التي لا غنى عنها لدعم حركات التحرر. فقد دعم فانون جبهة التحرر الوطني، التي فجرت المقاهي الأوروبية بينما ظلت قيادتها العليا آمنة في مصر. إن الاستعمار بالغ الوحشية، وغالبًا ما يكون نفي النفي بدوره وحشيًا إلى حدّ كبير.[62]
لقد أدرك فانون المفارقة العميقة في عنف المقاومة، وهي أنه ضروري، وفي الوقت نفسه ، أنه لعنة. فالتعرّض لعنف شديد وإيقاع هذا العنف على الآخرين ترك كلا الطرفين، رغم أنهما ليسا متكافئين أخلاقيًا، موسومين إلى الأبد. وباستخدام لغة فانون، فقد “تشوه” الاثنان. فلا تحرّر—جزئي، معيب وغير متكافئ كما كان بعد الاستقلال الوطني—يمكن تحقيقه من دون العنف “المُساوي” الذي يمارسه المضطهدون. لقد حطم هذا العنف صورة المستوطنين عن أنفسهم بوصفهم متفوقين؛ فهو يفرض، وإلى حد ما يعكس، الإحساس العميق بالدونية لدى الإنسان المُستعمَر. ومن المثير للاهتمام أن فانون كان واضحا بأن أولئك الاستعماريين “أولاد أوى” الذين مارسوا أسوأ عنف للدولة الاستعمارية، وأولئك الذين عانوا هذا العنف، لن يُفدى أيٌّ منهم بعد الاستقلال إلا بواسطة الطب النفسي.
لاحظ آدم شاتز، أحدث كاتبي سيرة فانون، مؤخرًا أن فهم فانون ل أشكال العنف المناهض للاستعمار كان فهم طبيب نفسي، يشخص أمراض انتقامية تَكونت تحت القمع الاستعماري، بدلاً من تقديم وصفة جاهزة”[63] لقد تناول فانون كل عمله السياسي بوصفه طبيبًا نفسيًا. فقد رأى أن العواقب التي لحقت كلًّا من المضطهَدين وجلّادي الاستعمار بسبب أسوأ الجرائم كانت، في النهاية، قابلة للعلاج داخل عيادة ومن خلال العلاج النفسي المؤسسي. وإذا كان يمكن اتهام فانون بشيء، فهو إيمانه الساذج بالقوة العلاجية للطب النفسي.
ثمة رؤية أخرى مهمة في يومنا هذا، والتي تبدو لي أساسية، هي أن فانون يقدّم لنا أكثر من فهم عميق للاستعمار والعنف وأهمية التضامن. فقد كان فانون، إذا صحّ التعبير، نبيًا يحذّرنا من مخاطر وعيوب وعقبات ولعنة التحرر الوطني. دعمه بصفته مناضلًا في جبهة التحرر الوطني كان غير مشروط، وكان يوجه كل ما كتبه وفعله بعد عام 1956. ومع ذلك، لم يكن دعمه أبدًا بلا نقد.
كتب فانون استعمار يحتضر عام 1959 للاحتفاء بالثورة الجزائرية والطرق المتعددة التي كان “يتحول” بها وعي الجماهير تحت ضربات المطرقة الناتجة عن المشاركة الجماهيرية والنشاط الشعبي. وكان توسيع هذا الحراك من أجل التحرر الشعبي محور كتابه الأخير.[64] كيف يمكن الحفاظ على الطاقة الشعبية للتحول الثوري بعد تحقيق التحرر الوطني؟ وكيف نحافظ على المشاركة الشعبية ونعمقها بعد تفكيك الرموز الرئيسية والهياكل السلطوية للاستعمار؟
أجاب فانون على هذه الأسئلة بأن التحرر الوطني لعنة، وأن الأمة سجن يجب مقاومته فور تحقيق الاستقلال. ربما كان هذا تناقضا في كتابات فانون، لكنه كان يتعامل مع المفارقات وكتب نصًا مليئًا بالتناقضات والأخطاء التجريبية. لم تكن هذه الأخطاء تشغله كثيرًا فالنقطة المحورية كانت التحذير. فقد كان لا بد للثورة الوطنية أن تنتقل على الفور إلى التحرر الاجتماعي والسياسي. وكان هذا يعني تحولا شعبيا يتجاوز حدود الأمة. وبدون ذلك، فإن “طائفة المتربحين” من القادة القوميين ستستبدل التحرر بوابل من الرجعية .
اليوم، لكي نفكر بجدية في فانون، يجب أن نفهم دورنا في بناء التضامن مع حركات التحرر. ومع ذلك، سنكون قد أهملنا مهمة أساسية إذا اقتصر كل عملنا على هذا فقط. فانون يعلّمنا أيضًا أن نحذر من التحرر الوطني ذاته، واللعنة التي لا محالة يجلبها إلى الحياة. وصياغة هذا الدعم النقدي تعد أحد أهم التحديات التي نواجهها.
الهوامش
1 صحيفة العامل الإشتراكي Socialist Worker ، 2023.
أنا ممتنّ للغاية للتعليقات المهمة التي تلقيتها على مسودة سابقة من هذا المقال من عدد من الرفاق. أتوجه بالشكر إلى: سايمون باسكتر، إيان بيرتشال، جوزيف تشونارا، جودي كوكس، إيين فيرغسون، جاكي فريمان، شيلا ماكجريجور، وتوني فيليبس
2 كما قدّم محرر London Review of Books
والباحث المتخصص في فانون، آدم شاتز، معالجةً متأنية لموقف فانون المعقّد من العنف — شاتز، 2023.
3 مارك ليفين 2023
4 مارك ليفين 2023
5 بدأت جبهة التحرير الوطني (FLN) حربَ الاستقلال الجزائرية بعد وقتٍ قصير من تأسيسها عام 1954، وقد ظل الحزب في السلطة منذ الاستقلال عام 1962.
6 غير أن هذا التوصيف، كما أشار فانون نفسه، لم يكن ينطبق على جميع المستوطنين. بل إن أقلية منهم قدمت دعمًا ملموسًا جدًا لجبهة التحرير الوطني (FLN) — فانون، 1989.
7 ومع ذلك ينبغي علينا توخي الحذر بشأن الادعاء بوجود استمرارية بين الجزائر الفرنسية و الجبهة الوطنية للتحرير ، اذ أن الصعود الحقيقي للأخيرة لم يحدث إلا بعد عشرين عاما من استقلال الجزائر – زيليج 2021
8 روجر ساوثول 2013 ص92 و ص 332.
9 ومع ذلك ينبغي الإشارة إلي أن الهدف الإستراتيجي الرئيسي للحزب الشيوعي الفرنسي في خمسينيات القرن العشرين كان إحياء الجبهة الشعبية ، وهو ما كان يعني عمليا تحالفا انتخابيا مع الحزب الإشتراكي وكان هذا هو السبب الرئيسي لدعمهم للصلاحيات الخاصة.
10 زيليج 2021 ، ص 71.
11 انظر جاك دوكلو ، 1956.
12 زيليج 2021، ص 72.
13 زيليج 2021، ص 72.
14 فانون 1970 ، ص 76.
15 فانون 1970، ص 76.
16 فانون 1970 ص 79.
17 فانون 1970 ص 81.
18 فانون 1970 ص 84.
19 فانون 1970 ص 84.
20 فانون 1970 ص 90.
21 فانون 1970 ص 90.
22 فانون 1970 ص 100.
23 فانون 1970 ص 93-94.
24 فانون 2001 ص 62.
25 لم يكن هذا موقف البلاشفة وحدهم، فقد سبقهم ماركس في تقديم طرح مشابه بشأن أيرلندا (أنظر ماركس، 1975 ) والشكر لجوزيف تشونارا في إيضاح هذه النقطة.
26 كلود لانزمان 2012 ص 331 و332.
27كان موليه رئيس وزراء حكومةٍ يسارية خلال عامي 1956–1957، وكان فرانسوا ميتران وزير العدل في الفترة نفسها. وقد نجحت حكومة موليه في إقرار توسيع نطاق الأحكام العرفية في الجزائر.
28 لمزيد من التفاصيل انظر إيان بيرشال 2021.
29 فانون 1957.
30 ربما أكون قاسيا بعض الشيء علي اليسار الفرنسي. كانت هناك أقلية لديها بعض الفهم لما كان يحدث في الجزائر واتخذت بعض الإجراءات الفعالة – انظر إيان بيرشال، 2012.
31 شاتز 2023.
32 لايك 2023.
33 رالف ليونارد 2023.
34 ماركس 1932.
35 يمكن ملاحظة دور الكفاح الثوري المسلح في التاريخ الحديث ، بدء من تفجير المناضلة الجزائرية زهرة ظريف لمقهي ميلك بار في الجزائر العاصمة عام 1956، مرورا بهجوم تيت عام 1968 في فيتنام، وهجوم حركة حماس علي القيادة الجنوبية لجيش الدفاع الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023 – أنظر غراي 2017 ، أتقدم بالشكر لإيان فيرغسون علي هذه الملاحظات.
36 فانون 2001 ، ص 64.
37 فانون 2001، ص 68.
38 تقريبا كل ما كتب عن فانون منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 قد تجاهل هذا العنصر الحيوي في أعماله.
39 علي الرغم من أن تحليل فانون لـ” ضعف الإستقلال الوطني” كان عميقا للغاية ، إلا أنه لم يكن الناقد الوحيد فقد صاغ الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار واحدة من أفضل الانتقادات للوضع القومي الجزائري في ذلك الوقت – انظر ليوتار 1963.
40 فانون 2001 ، ص119.
41 فانون 2001 ص 120.
42 فانون 2001 ص 121.
43 فانون 2001 ص 128.
44 فانون 2001 ص 128.
45 فانون 2001 ص 131.
46 فانون 2001 ص 131.
47 فانون 2001 ص 131.
48 ينبغي علي القراء إلقاء نظرة علي الفصل الإستثنائي “كشف النقاب عن الجزائر” 1989.
49 فانون 2001 ص 131.
50 فانون 2001 ص 139 .
51 فانون 2001 ص 139.
52 فانون 2001 ص 139.
53 فانون 2001 ص 140.
54 فانون 2001 ص 165.
55 بيير بورديو 2013 ص 87 و ص 88.
56 هذه تجربة أخري عكست بها جبهة التحرير الوطني التجربة الفيتنامية.
57 مسألة مجموعة من مسؤولي النقابات العمالية ذوي الامتيازات النسبية المختلفة، ودور هذه المجموعة في تمثيل وإخماد التعبير السياسي للطبقة العاملة يتجاوز نطاق هذا المقال. وأعرب عن امتناني لسيمون باسكتر لتأكيده على هذه النقطة في نسخة سابقة من المقال.
58 البروليتاريا الرثة من أكثر فئات المجتمع تهميشا و حرمانا من الحقوق ، بما في ذلك العمال اليوميين والمجرمين والمتسولين ، وللحصول علي أدق سرد لهذه الفترة ، وللتعرف علي الأساطيرالفانونية حول الطبقة العاملة أنظر سيدون 2009.
59 ووديس 1972 ص 139.
60 علي وجه التحديد ، دفعت التظاهرات الإستثنائية للطبقة العاملة في المدن والبلدات الجزائرية في ديسمبر 1960 الفرنسيين علي ضرورة مغادرتهم البلاد.
61 سعي فانون إلي “أنسنة” البشرية. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا باعترافنا المتبادل بإنسانية كل منا.
62 يجب أن نكون أكثر نقدا من فانون تجاه الأساليب التي تستخدمها منظمات التحرير الوطني ، ولكن علينا أيضا دعم هذه المنظمات بدون قيود أو شروط. ويكتسب هذا الأمر أهمية اليوم نظرا للضعف النسبي للطبقة العاملة العربية مقارنة بقوتها خلال موجة الثورات التي اجتاحت الشرق الأوسط و شمال أفريقيا عام 2011 ، وقد شجع هذا الضعف نوعا من الحفاوة غير النقدية بالمقاومة المسلحة التي تمارسها حماس و حزب الله و الحوثيون وجماعات أخري في المنطقة. أتوجه بالشكر لجوزيف تشونارا وشيلا ماكجريجور علي تعليقاتهما حول هذه المسألة.
63 شاتز 2023.
64 لاستكشاف فهم فانون المعيب وغير الدقيق تاريخيا للفاعلية وللطبقة العاملة – أنظر زيليج 2012.
المراجع
إيان بيرتشال ، 2012، “الثوريون الأوروبيون واستقلال الجزائر، 1954–1962″، التاريخ الثوري، المجلد العاشر العدد 4 .
إيان بيرتشال 2021 ، كيف دعم جان بول سارتر و مجلة الأزمنة الحديثة ( Les Temps Modernes ) نضال الجزائر من أجل التحرر ، Jacobin في (25 مارس ) https://tinyurl.com/ycx5cczv
بيير بورديو ، 2013 ، “مخطوطات جزائرية”، ( Polity).
جاك دوكلو 1956، “جاك دوكلو يشرح تصويت الشيوعيين لصالح الحكومة”، أرشيف الإنترنت الماركسي (12 مارس). www.marxists.org/history/algeria/1956/duclos.htm
فانون ، 1957، “الجزائر في مواجهة الجلادين الفرنسيين”،صحيفة المجاهد (10 سبتمبر).
فانون ، 1970 [1964]، “نحو الثورة الأفريقية”، (Pelican books).
فانون، 2001 [1959]، “العام الخامس للثورة الجزائرية”، (La Decouverte).
فانون، 2001 [1961]، “معذبو الأرض”، (Penguin).
سارة جراي ، 2017، “داخل معركة الجزائر: أمسية مع زهرة ظريف”، مراجعة الاقتصاد السياسي الأفريقي (26 سبتمبر).
, https://roape.net/2017/09/26/inside-battle-algiers-evening-zohra-drif
حمزة حموشان، 2023، “المساواة الزائفة بين المستعمَرين والمستعمِرين”، (21 نوفمبر) africa is a country.
إيلي لايك 2023 “فرانز فانون، عراف إنهاء الاستعمار”، The free press في ( 1 نوفمبر )
, www.thefp.com/p/frantz-fanon-decolonization-israel-hamas
كلود لانزمان 2012 ، مذكرات كلود لانزمان The Patagonian Hare
مارك ليفين، 2023، “مفهوم فانون للعنف لا ينجح في فلسطين”، الجزيرة (10 أكتوبر).
, https://tinyurl.com/5n7a2wex
جان فرانسوا ليوتار ، ” الجزائر ” ، الإشتراكية الأممية ، مجلة ( the summer ) العدد 13
, www.marxists.org/history/etol/newspape/isj/1963/no013/lyotard.htm
كارل ماركس ” الأيدويولوجيا الألمانية ” 1846، المجلدات الكاملة لأعمال ماركس و إنجلز ، المجلد الخامس .
, www.marxists.org/archive/marx/works/1845/german-ideology
كارل ماركس 1870، رسائل إلي سيجفريد ماير و أوغست فوجت في 1870 ، المراسلات المختارة .
, www.marxists.org/archive/marx/works/1870/letters/70_04_09.htm
ادم شاتز، 2023، “الأمراض الانتقامية”، مراجعة لندن للكتب، المجلد 45، العدد 21.
www.lrb.co.uk/the-paper/v45/n21/adam-shatz/vengeful-pathologies
ادم شاتز 2024 ، “عيادة الثوار: الحياة الثورية لفرانز فانون” ، ( bloomsbury )
ديفيد سيدون ، 2009، “الاحتجاج الشعبي والصراع الطبقي في أفريقيا: نظرة تاريخية”، في تعديل ليو زيليج : الصراع الطبقي والمقاومة في أفريقيا (Haymarket).
جريدة العامل الاشتراكي ، 2023، “فرانتز فانون، العنصرية والثورة” (25 نوفمبر).
, https://socialistworker.co.uk/features/frantz-fanon-racism-and-revolution
روجر ساوثول 2013 ، حركات التحرير في السلطة : الحزب و الدولة في جنوب أفريقيا ، ( James curry ) .
جون ووديس 1972 ، نظريات جديدة حول الثورة : تعليق علي اراء فرانز فانون ، ريجيس ديبريه و هربرت ماركوزه ( international publishers )
ليو زيليج 2012 ، ” المزالق و التحولات الجذرية : الحياة الثورية ل فرانز فانون ” international socialism العدد 134 .
http://isj.org.uk/pitfalls-and-radical-mutations-frantz-fanons-revolutionary-life
ليو زيليج 2021 ، ” فرانز فانون : سيرة سياسية ” ،( Bloomsbury 2021 ) .

