عن الفن والمجتمع وثورة يناير

مقدمة 

قبيل ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، بدأت تتبلور في المجال الفني موجة جديدة قادها شباب الطبقة الوسطى. ومع اندلاع الثورة، تعزّز ارتباط هذه الموجة بالحدث الثوري، فتقاطعت معه وتفاعلت مع دينامياته، وصعدت بالتوازي معه، لتتخذ طابعًا أقرب إلى ثورة فنية متكاملة، أعادت صياغة علاقة الأفراد بذواتهم وبالعالم من حولهم، مستخدمة جماليات في السرد والتعبير مغايرة لما كان سائدًا من قبل.

وعكست هذه التحولات الفنية، إلى حدٍّ كبير، التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى ثورة يناير وما أعقبها من أحداث. ومن ثمّ، مثّلت هذه الموجة الفنية الجديدة محاولة من أبناء هذه الطبقة لفهم تلك التحولات والتكيّف معها، فجاءت أعمالهم الفنية صدىً لآمالهم ومخاوفهم وتناقضاتهم، ومحاولاتهم لإعادة التكيّف مع هذا العالم الجديد.

عالم سائل 

بدأت مصر في أوائل تسعينيات القرن الماضي تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي، بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لمعالجة اختلالات الاقتصاد الكلي المتمثلة في عجز الموازنة، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور قيمة العملة، وضعف الاستثمار. وتمثلت أبرز محاور هذا البرنامج في خصخصة مشروعات القطاع العام، وتحرير سعر الصرف، وتقليص الإنفاق على برامج الدعم الاجتماعي.

لم يحقق البرنامج الفاعلية المرجوة، ولم يسفر عن معدلات النمو المأمولة في الاقتصاد المصري، إلا أنه أعاد هندسة العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع على نحو جديد؛ إذ تخلّت الدولة عن التزامها الاجتماعي تجاه المواطن، الذي أُعيد تعريفه بوصفه مشروعًا فرديًا لا يخض إلا صاحبه. ويخلص إلى ذلك الباحث محمد جاد، حيث يرى أن «عقد التسعينيات مثّل مرحلة تحول كبيرة على مستوى الانعتاق من نموذج الاقتصاد الناصري، وتغيّر توجهات قطاعات من المجتمع من البحث عن الخلاص عبر الانتماء إلى طبقة عاملة كانت تساعدها سياسات التأميم على تملك وسائل الإنتاج، إلى خلاص فردي يتحقق من خلال العمل في الخارج، أو الاستفادة من فروق سعر العملة، أو المضاربة في الأسهم، أو الادخار في شهادات الاستثمار»¹.

وكان لهذه السياسات العديد من التداعيات الاجتماعية الخطيرة؛ إذ اتسعت الفوارق الطبقية، وتآكلت شبكات الحماية الاجتماعية، وتزايدت قبضة الدولة الأمنية لإحكام السيطرة على المجتمع، وما صاحب ذلك من ممارسات قمعية انتهت إلى حادثة وفاة خالد سعيد. وترافق ذلك مع تنامي الفساد الإداري، وتراجع الدور الرقابي للأحزاب والنقابات على أجهزة الدولة، الأمر الذي أسهم في انفصال هذه الكيانات عن جماهيرها.

وقد كان لانهيار النموذج الاقتصادي السابق أثر بالغ على الطبقة الوسطى، التي كان العقد الاجتماعي الناصري يرتكز عليها أساسًا. فقد قامت معادلة هذه الطبقة على إتاحة التعليم المجاني، الذي يُمكّن الخريجين من الالتحاق بشركات الدولة، والترقي في السلم الإداري إلى أن يصلوا إلى مناصب قيادية. كما تميز العمل في القطاع العام بعدة مزايا، من أبرزها الأمان الوظيفي، حيث يُعيَّن العامل بعقد دائم لا يجوز فسخه إلا وفق إجراءات قانونية محددة، بما يوفر له استقرارًا طويل الأمد ويحد من مخاطر فقدان الوظيفة المفاجئ. إضافة إلى ذلك، كان الموظف يتمتع بنظام تأمين صحي واجتماعي شامل يغطي تكاليف العلاج والأدوية، ويحميه من المخاطر المرتبطة بالمرض أو العجز أو الوفاة، ويضمن له معاشًا تقاعديًا بعد سنوات الخدمة. وشملت هذه المعادلة أيضًا شبكات حماية اجتماعية، تمثلت في دعم الطاقة وبعض السلع الأساسية.

وهكذا، فككت سياسات الإصلاح الهيكلي العقد الاجتماعي القديم دون تقديم بديل واضح، تاركة المجتمع في مواجهة مباشرة مع فوضى السوق. وقد أفرزت هذه الظروف—المتمثلة في مواجهة الأفراد منفردين لتقلبات السوق، وغياب الضمانات الاجتماعية طويلة الأمد—ما وصفه عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان بـ«السيولة الاجتماعية»، وهي حالة تصف المجتمع الحديث الذي تتسم فيه الأشكال التقليدية للحياة الاجتماعية، مثل المؤسسات والهويات والعلاقات، بسرعة التغير وعدم الاستقرار، والتحول الدائم. ويرى باومان أن هذا الوضع يولّد الهشاشة، ويجبر الأفراد على التكيف المستمر مع عالم مضطرب وغير مستقر.

وفي ظل هذه الأوضاع، يعيش الأفراد حالة من القلق الدائم وعدم اليقين تجاه مستقبلهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بما يعزز مشاعر العزلة والاغتراب.

دوائر مغلقة 

شكّلت معالم هذا العالم السائل وجدانَ شباب الطبقة الوسطى، فحاولوا وصفه والتعامل معه، والتعرّف على أنفسهم في خضم عشوائيته. فهذا العالم غير المستقر—الذي لا يشبه عالم آبائهم—لا يكافئ الناس بقدر ما يبذلونه من جهد، بل بقدر ما يقدّره لهم السوق، كما لا توجد فيه ضمانات من أي نوع. وفي هذا العالم الجديد اتسمت حياة الأفراد بالضياع واليأس، والعجز عن السيطرة على الواقع؛ فأضحت الحياة غير مستقرة، يتحرّك فيها الفرد دائمًا دون أن يتقدّم أو يصل إلى شيء، في حالة من اللاجدوى المتأصّلة في الحياة ذاتها. لذا كان التمثيل الرمزي الأمثل لهذا الوضع هو الدائرة أو الدوران.

ومن ثمّ أصبحت الدائرة، بما تحمله من رمزية، عنصرًا مميّزًا جرى استخدامه كثيرًا، بأشكال مختلفة ولكن بمضمون واحد، في فنون هذه الطبقة. ويمكن ملاحظة ذلك في التجربة الشبابية الفريدة لفيلم «أوقات فراغ»، الذي تدور أحداثه حول مشكلات مجموعة من شباب الطبقة الوسطى، المتمثلة في البطالة والفشل والإحساس العام بالضياع، وعدم معرفتهم بما يريدونه تحديدًا. يُسرد الفيلم في بناء دائري؛ إذ يبدأ بمحاولة الشباب تغيير حياتهم إلى الأفضل، لكنهم يخفقون في النهاية ليبدأوا من جديد، وهكذا دواليك. غير أنّ حضور الدائرة لا يقتصر هنا على مستوى السرد، بل يظهر بصورة أكثر فجاجة في مشهد النهاية، حيث يذهب الأبطال الثلاثة إلى مدينة الملاهي، فتتعطّل بهم لعبة الساقية ويعلقون فيها داخل دائرة كبيرة لا يستطيعون الخروج منها، ولا يلتفت إليهم أحد. وينتهي الفيلم بهذا المشهد، وعلى خلفيته أغنية «بنلف في دواير» بوصفها خلاصة لحياة هؤلاء الشباب.

ونرى أيضًا حضور الدائرة والدوران بصورة مباشرة في أعمال غنائية مثل «دواير» لدينا الوديدي، و«جينا الدنيا في لفة» لفرقة كايروكي، و«دوران» لأمير عيد وزاب ثروت، وكذلك في قصيدة «بندوخ» للشاعر ميدو زهير. ولعل المثال الأبرز والأكثر إثارة للدهشة هو ديوان «المانيفستو» للشاعر مصطفى إبراهيم، والذي يمكن اعتباره أهم ديوان أُنتج في تلك الفترة؛ إذ يصدّر الشاعر الديوان—المنقسم إلى سبعة أجزاء—بمجموعة من القواعد أطلق عليها اسم «من قواعد الدائرة السبعة». ويبدأ كل جزء من أجزاء الديوان بإحدى هذه القواعد، وهي قصائد قصيرة تتناول قواعد السير في دائرة الحياة وفق ما تتضمنه قصائد ذلك الجزء من سرد لتجربة الشاعر، ليغدو الديوان بأكمله دائرة كبيرة لا يمكن الخروج منها، ولا يملك المرء إزاءها إلا السير فيها قسرًا والتعامل معها وفق قوانينها الخاصة.

قاعدة 4:

كل الطرق في الكون بتلف على الواسع

فمفيش نفر فاكر إزاي رجع أو لف

شوف الإله حكمته في الدايرة عامل إزاي

وإزاي محجّمنا من غير ما يعمل سقف

وحتى عندما يغيب استخدام الدائرة أو الدوران بشكل حرفي، فإنهما يظهران ضمنيًا في العمل الفني في هيئة التكرار القهري للأحداث، أو الإحساس بالجبر الناتج عن السير في مسار مغلق لا توجد فيه مفترقات أو مخارج. نرى ذلك في أعمال مثل قصيدة «أزرق» لميدو زهير، حيث يُلوَّن العالم كله باللون الأزرق، ويغدو هذا اللون—البوكس الأزرق، أو زيّ السجن الأزرق، أو وشم اللعنة الأزرق، أو الزرقة تحت العيون، أو دخان المخدرات الأزرق… إلخ—هو النتيجة النهائية لأي مسار. ونلمس الأمر ذاته في أعمال غنائية مثل «تدور وترجع» لدينا الوديدي، و«يا أبيض يا أسود» لفرقة كايروكي، و«تقع وتقوم» لفرقة مسار إجباري، وهو الاسم الذي اتخذته الفرقة لنفسها تيمّنًا بأغنية ألبومهم الأول «إجباري المسار»، والتي تتناول هي الأخرى أفكار الجبر، والتحوّل المفاجئ للحياة إلى الأسوأ، وعدم القدرة على الاختيار.

البحث عن «الأنا» في عالم عشوائي

إلى جانب الدوران في حلقة مغلقة، اتسم النظام الجديد بالعشوائية وبالتغيرات السريعة غير المتوقعة، الناتجة عن تقلبات السوق العنيفة وانهيار النموذج القديم. فلم تعد المكاسب الآن معتمدة على مقدار ما يبذله الفرد من جهد، بقدر اعتمادها على ما يمنحه السوق من مكافأة، كما لم تعد الشهادات تضمن لأصحابها شيئًا في مواجهة سوق لا يعبأ إلا بالربح.

انعكست هذه الحالة من العشوائية في أعمال الفنانين الشباب، في توصيفهم للبلاد وما تشهده من سيولة وفساد. ويظهر ذلك في أعمال مثل «ناس وناس» لفرقة كايروكي، التي تتناول بشكل مباشر الفوارق الطبقية والفساد، وانهيار معادلة «على قدر أعمالكم تُؤجرون» التي ميّزت النظام الاقتصادي القديم. وكذلك في قصيدة «في بلاد أي حاجة» لميدو زهير، التي غنتها لاحقًا فرقة بلاك تيما، حيث تُوصَف مصر بأنها «بلاد الأي حاجة»، حيث تصبح العشوائية واللامنطق السمة الغالبة لكل ما يحدث. ويتكرر هذا التصور في أعمال مثل «في بلاد العجايب يا بابا» و«وطن العك» لميدو زهير، والتي غنتها مريم صالح، وفي أغنية «ديناصور» لكايروكي، حيث لا يبدو غريبًا أن يرى المرء بطريقًا أو ديناصورًا «واقفًا على الناصية» في هذه البلاد. كما تظهر الفكرة ذاتها في أغنية «البكا بكا» للفرقة نفسها، حين تتحول البلاد إلى «بكابورت» كبير يستحيل العيش فيه، ويعرف شبابه جيدًا أين يضعون شهاداتهم الجامعية.

ولا تقتصر العشوائية على الواقع الخارجي فحسب، بل تتسلل أحيانًا إلى الداخل الذهني، كما في أغنية «كراكيب» لفرقة وسط البلد، التي تصف التقلبات المزاجية الحادة وما يعج به العقل من كراكيب غير مرتبة. ويتكرر المعنى نفسه في قصيدتي «عقل بالي» و«مش عارف» لميدو زهير.

وزادت من حدة هذه الحالة حالةُ الاضطراب التي أعقبت ثورة يناير، والتي أثرت في عدد من الفرق الناشئة آنذاك، ومنها فرقة «كراكيب» التي تأسست بعد شهور قليلة من الثورة، واستلهمت اسمها ومشروعها الفني بالكامل من حالة العشوائية و«الكركبة السياسية» التي ميّزت تلك المرحلة، بحسب وصف أعضائها، ومحاولتهم الفنية للتعامل معها.

ويمكن القول إن موسيقى الروك، وهي الصيغة الفنية الأكثر شيوعًا في تلك الفترة، والتي تأثرت بها أغلب الفرق الغنائية آنذاك، ليست في جوهرها إلا الشكل الفني الأقدر على تمثيل العشوائية الاجتماعية وتقلبات الواقع. ويعود ذلك إلى بنيتها الصوتية والإيقاعية ذاتها، التي تتسم بعدم الاستقرار والتبدل السريع، حيث يتجاور الصخب والهدوء في حركات مفاجئة صعودًا وهبوطًا. وفي هذا السياق، أُعيد تعريف الخشونة والتشويش، لا باعتبارهما خللًا تقنيًا، بل بوصفهما قيمة جمالية مقصودة تعكس واقعًا فقد تماسكه واستقراره. وقد تزامن صعود موسيقى الروك في مصر مع بروز أنماط موسيقية جديدة مثل المهرجانات والراب، التي تشترك معها في هذه السمة.

تُورث هذه العشوائية حالةً من الاغتراب عن البلاد، فلا يعود الفرد متيقنًا من علاقته بها: هل يحبها أم يخشاها أم يكرهها؟ لكنه على يقين من أنه لا يفهمها، ويتأرجح موقفه منها بين الحب والضجر، كما يظهر في أعمال مثل «طول الطريق» و«الغريبة» لميدو زهير ومريم صالح، و«مليش دعوة» لفرقة مسار إجباري.

في هذا العالم، غدت النجاة مشروعًا فرديًا، وأصبح على كل شخص مواجهة مصيره منفردًا، ما أورث بدوره حالة من التيه والوحدة والكآبة. وتتجلى هذه الحالة في أعمال مثل «تايه» لكايروكي، حيث لا يجد الفرد مكانًا له في عالم يسير فيه تائهًا، وفي أغنيتي «وحدة» و«الكون» لدينا الوديدي، حيث يقف الفرد وحيدًا أمام كون لا حول له فيه ولا قوة، فلا يملك في النهاية إلا التسليم للأمر الواقع. كما تظهر هذه الوحدة في «موال نفسي» لميدو زهير، و«وحدي» لمريم صالح، حيث تتحول الوحدة إلى غاية منشودة، إذ لا يجد الفرد مكانًا له خارجها، إلى أن تصبح مألوفة بل ومرغوبة بدافع الأمر الواقع، كما في أغنيتي «مع نفسي قاعد» و«خليك على الهامش» لكايروكي.

وقد ترتب على هذه الحالة من الاضطراب والقلق الوجودي نمطٌ متكرر في كثير من الأعمال الفنية، يتمثل في الاستخدام المكثف لضمير المتكلم «أنا»، لا بوصفه تمركزًا نرجسيًا حول الذات، بل باعتباره عرضًا لقلق الهوية. ويظهر ذلك في أعمال مثل «أنا موجود» لمسار إجباري، و«أنا صايع» لفرقة ليل وعين، و«أنا مش بغني» لمريم صالح، و«أنا الكافر» لفرقة قرار إزالة، و«أنا مفلس» لفرقة مدينة، و«إنسان» لبلاك تيما، التي يتكرر فيها ضمير المتكلم «أنا» أربع عشرة مرة. كما نجده في أغاني كايروكي: «أنا سجارة»، «أنا الصوت»، «أنا مش منهم»، و«أنا نجم»، وفي «أنا كويس» لفرقة وسط البلد.

وكان القاسم المشترك بين هذه الأعمال جميعًا – إلى جانب كثافة «الأنا» – هو الاحتفاء، الذي يصل أحيانًا إلى حد التمجيد، بالتناقضات الشخصية والصعلكة؛ إذ مثّل الاحتفاء بالفوضوية وتمجيد الهامش والتنقل بين الأقنعة المتناقضة موقفًا احتجاجيًا من عالم لا يجد الفرد فيه مكانًا له، وانسحابًا من منظومة قيم لم تعد عادلة ولا مفهومة.

 الصداقة: رابطة تتجاوز الرفقة اليومية

لعب تفكك المؤسسات الحمائية التقليدية، مثل النقابات والأحزاب، بل وحتى الأسرة، دورًا مهمًا في تعميق الشعور بعدم الاستقرار. فعلى خلاف الريف والمجتمعات الطرفية، حيث تحتل الأسرة موقعًا محوريًا في تأمين حياة الأفراد بفضل ما تملكه من نفوذ يمتد على مساحات زراعية واسعة أو مراعي وماشية، بدت الأسرة في المدن أكثر ضعفًا وهشاشة، وعجزت عن توفير الحماية اللازمة لأفرادها في عالم سريع التحول. وأسهم هذا الوضع في تفاقم حالة العشوائية المشار إليها سابقًا، وأدى إلى بروز مؤسسة اجتماعية جديدة كان لها دور محوري في حياة الأفراد، وهي الصداقة.

يتجلى ذلك بوضوح في أعمال موسيقية مثل أغنية «أنت صاحبي» لفرقة كايروكي، و«الصحاب» لزاب ثروت، و«فاضي شوية» لحمزة نمرة. كما ظهر هذا الحضور في الأعمال السينمائية لتلك الفترة، إذ كانت الصداقة عنصرًا بارزًا في الأفلام الشبابية خلال تسعينيات القرن الماضي. وساعد على ذلك ظهور جيل جديد من الممثلين الذين لم ترسخ أقدامهم بعد في عالم السينما، ما جعل نمط الكتابة الأنسب يعتمد على تقديم أكثر من شخصية في العمل الواحد، لكل منها نكهتها الخاصة. وغالبًا ما مثّلت هذه الشخصيات أصدقاء البطل، إلا أن الحبكة كانت تحصرهم في أدوارهم كأصدقاء يدورون في فلكه، كما يتضح في فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية»، الذي يُعد من أبرز أفلام تلك المرحلة.

ومع بداية الألفية الجديدة، ولا سيما في فترة ما قبل الثورة، تغيّرت طبيعة التجارب السينمائية الشبابية، إذ ركزت الحبكة بدرجة أكبر على الصداقة، لتصبح علاقات الصداقة نفسها هي البطل الذي تدور حوله الأحداث. ويتجلى ذلك في أفلام مثل: «أوقات فراغ»، و«أحلى الأوقات»، و«بنات وسط البلد»، و«كيمو وأنتيمو»، و«سهر الليالي»، و«أصحاب ولا بيزنس»، و«الماجيك»، و«أعز صحاب»، و«فيلم ثقافي».

وعلى الرغم من هذا الحضور، فإن تمثلات الصداقة في أغاني المهرجانات—بوصفها المنتج الفني الأبرز للطبقات الدنيا—كانت أكثر كثافة وتنوعًا. فقد ظهرت الصداقة أحيانًا باعتبارها تضامنًا يوميًا متبادلًا بين الشباب لمواجهة صعوبات الحياة، وأحيانًا أخرى كمغامرة وفرصة للهروب من رتابة الواقع، حيث تتحول اللقاءات والجلسات مع الأصدقاء إلى فضاءات للمتعة والحرية المؤقتة. كما برزت في بعض الأغاني كوسيلة للفخر والاعتزاز بالنفس، بينما حضرت في أغنيات أخرى بصورة سلبية، في سياق الحديث عن غدر الأصحاب.

ويبدو هذا التركيز مفهومًا؛ فإذا كانت المركزية الجديدة لعلاقات الصداقة ناتجة عن تفكك مؤسسات الحماية التقليدية والحاجة إلى بدائل اجتماعية، فمن الطبيعي أن تزداد أهمية هذه العلاقات لدى الطبقات الأكثر تأثرًا بالتغيرات الاقتصادية، والأكثر عرضة للاضطهاد والمضايقات الأمنية.

ويمكن النظر كذلك إلى أحد أبرز المشاركين في الثورة المصرية، وهم مجموعات الألتراس، من خلال عدسة الصداقة. فهذا الكيان، الذي نشأ قبل الثورة وضم أعدادًا هائلة من الشباب، لم يكن حزبًا أو جماعة أو منظمة سياسية تقليدية، بل رابطة أخوية تقوم أساسًا على التضامن والولاء المتبادل والرغبة في الانتماء. وكما يصفهم محمد جمال بشير، الشهير بـ«جيمي هود»، صاحب كتاب «الألتراس» وأحد مؤسسي ألتراس وايت نايتس، بأنهم ليسوا مجموعة من الهمج أو البرابرة الذين لا يتوقفون عن الغناء والعراك من أجل فريقهم، ولا مجرد حملة أعلام ملوّنة أو مشعلي مفرقعات وصواريخ، بل إن روابط الألتراس تمثل وطنًا وانتماءً. ولا يجمع أفرادها حب النادي أو الإحساس بالجماعة فحسب، بل يوحدهم شعور قوي باحتياج كل منهم إلى الآخر، ليكوّنوا كيانًا مستقلًا قد يلجأ إليه كثيرون بحثًا عن معنى للحياة.

الحب: من الرومانسية الحالمة إلى البحث عن الاحتواء 

اكتسبت العلاقات العاطفية في هذا السياق الاجتماعي المتحوّل دلالات مغايرة؛ إذ لم تعد تُقدَّم عبر الصيغ الرومانسية المباشرة الشائعة في أغاني الثقافة السائدة، بوصفها تعبيرًا صريحًا عن الشوق والعشق، بل ظهرت في الموجة الفنية الجديدة باعتبارها ملاذًا ووسيلة نجاة داخل عالم قاسٍ لا يمكن احتماله على نحو فردي. أصبح الحب هنا فعل حماية واحتواء أكثر منه احتفاءً بالعاطفة في ذاتها.

يتجلّى ذلك بوضوح في أغنية «الوحدة والظنون» لهاني عادل، حيث تتجسّد الحبيبة بوصفها السكون والاستقرار اللذين يسعى إليهما الحبيب، ويغدو الخوف من الرفض خوفًا من الارتداد إلى الوحدة مجددًا. وفي أغنية «السيما» لفرقة وسط البلد، يبدو الحب كأنه الملاذ في عالم «زحام» يعيش فيه الحبيبان «متغربين»، يسيران في الحياة «عكس الاتجاه»، و«كأن العمر غلطة عاشها مرتين». أمّا في أغنية «مطلوب حبيب» لمسار إجباري، فيتحوّل الحب إلى غاية في ذاته، لا بوصفه عشقًا وهيامًا، بل كحاجة إلى مشاركة الدندنة والكسل والصمت؛ فالمحبوبة هنا تُختزل في كونها حضنًا وبيتًا ويدًا وأملًا وحيدًا لهذا العاشق المنهك الوحيد.

وتواصل أغنية «رغم إنك» لفرقة ليل وعين هذا التصوّر، حيث تُنسب إلى الحبيبة قدرة استثنائية على رؤية المحب التعيس بعين مختلفة عن أعين الآخرين، ورصد ما لا يُرى في داخله، وفهم أعماق أعماقه من دون الحاجة حتى إلى الكلام.

أمّا في «قبل الوصول» لكايروكي، فتُستدعى الحبيبة لتكون أي شيء حرفيًا—غنوة أو قصيدة أو حكاية—فقط لتنتشل الحبيب، ولو مؤقتًا، من الملل وتخفف عنه وطأة الاكتئاب. ويبلغ هذا المعنى ذروته في أغنية «إنت الأحباب» لعبد الرحمن رشدي، حيث يتكرر ضمير المخاطَب «إنت» ثلاثين مرة، تنوّعت دلالاته بين كونه السلام وقت الحرب، والأهل، والأصحاب، والشمس عند الغروب، والحقيقة وسط السراب، والحب في دنيا تفيض بالضيق.

وامتدت هذه الحالة لتشمل أغاني الطبقات الأدنى؛ فبينما كانت علاقات الحب تظهر في الغناء الشعبي التقليدي بمسحة شديدة الذكورية، حيث الرجل «المعجباني» الذي يغازل فتاته من موقع المسيطر، أعادت أغاني المهرجانات—والتي للمفارقة يُنظر إليها باعتبارها انحدارًا للذوق العام نحو العنف والبلطجة—تعريف العلاقات العاطفية بصورة يبدو الرجال فيها أكثر هشاشة وضعفًا، يبحثون في الحب عن الاحتواء أكثر مما يبحثون فيه عن السيطرة.

نجد ذلك في مهرجان «بسند على مخدتي» لعصام صاصا، حيث يرى صاصا حبيبته هدية من الرحمن، يشعر بجانبها بالأمان، ولا يريد إلا أن يكون قصاد عينيها. ويتكرر المعنى ذاته في مهرجان «متبعديش»، إذ يناشد صاصا محبوبته ألّا تبتعد، باعتبارها العالم بأسره والفرحة التي أعادت إلى سنواته لونها ومعناها. وفي مهرجان «يا أم شعر حرير» لريشا كوستا وسمارة ناو، ترتبط الطمأنينة بوجود الحبيبة، فتغدو نظرة عينيها سببًا في ابتسام الأيام وانكسار قسوتها.

وفي المقابل، لا يغيب الوجه الآخر للعلاقة العاطفية، حيث تنتهي بعض قصص الحب إلى الانكسار والخذلان، كما يظهر في مهرجانات مثل «كانسر الحب» لأبو الشوق، و«أنا حبيتك وجرحتيني» لحمو بيكا ومودي أمين ونور التوت، و«متقوليش كان غصب عنك» لعصام صاصا، و«مبتوحشنيش» لحمو الطيخا؛ فنرى مغني المهرجانات ينكسر ويعبّر بوضوح عن ألمه العاطفي وهشاشته.

فقراء طيبون لكنهم عاجزون 

كانت الطبقة الوسطى أكثر تعليمًا، وكان موقعها في النظام الاقتصادي القديم يضمن لها إمكانات مستقرة للترقي الاجتماعي، ما رسّخ لديها إحساسًا بالجدارة والاستحقاق. وقد أسهم الربط بين التعليم والترقي الطبقي والقدرة على النفاذ إلى العالم الأوسع عبر الإنترنت في ترسيخ نظرة هذه الطبقة إلى نفسها بوصفها الطبقة الأكثر وعيًا على الدوام. وامتزج ذلك بإحساس هذه الطبقة بالضجر من النظام الجديد، وبشعور من التعاطف مع الطبقات الأدنى التي تأثرت بالتدهور الاقتصادي أكثر من غيرها.

ما جعل فن هذه الطبقة مرتبكًا في تعامله مع الطبقات الأدنى، متأرجحًا بين التعاطف الشديد معهم واتهامهم بالسلبية والقصور. فتم تصويرهم أحيانًا بوصفهم «غَلابة» يستحقون الشفقة، وأحيانًا أخرى كعاجزين عن المبادرة أو قيادة التغيير. يظهر ذلك بوضوح في أغنية «ساكتين ساكتين» لفرقة كايروكي، الصادرة في 19 يناير 2011، التي تنتقد سلبية الشعب الذي يطأطئ رأسه و«عامل مش شايف» و«كل واحد فيه بيقول هو بإيدي إيه» و«ماشي في حاله جنب الحيط»، لتنتهي بنبرة يائسة مفادها أننا أصبحنا «ساكتين ساكتين ومكمّلين بنوطي راسنا وعاملين مش شايفين».

نرى هذا التوجه أيضًا في أعمال ميدو زهير، مثل قصيدتي «في بلاد أي حاجة» و«كعب داير» اللتين غنّتهما فرقة بلاك تيما. يبدأ الشاعر في القصيدتين بوصف الفساد والقمع المستشريين في البلاد، غير أن القصيدة الأولى تختتم بنصيحة يقدمها الأب للشاعر الغاضب، داعيًا إياه إلى الاستسلام، لأن خوف الناس–في رأيه–سيمنعهم من إحداث أي تغيير.

أما في القصيدة الثانية، فيكتب الشاعر إلى حبيبته عن الأوضاع المأساوية في البلاد، وعن الظلم الواقع على «التعبانين» و«الغَلابة» و«اللي أكل العيش دبّحها»، والنائمين تحت الكباري، دون أي إشارة إلى قدرتهم على تغيير الواقع، فتقتصر نظرته  إليهم على الشفقة فقط، مايؤدي بالشاعر إلى التأرجح بين الإحباط وأمل خافت مجهول المصدر.

ويتكرر هذا النمط في قصيدة «عادي» التي غنتها دينا الوديدي، حيث يبدأ الشاعر الغاضب حديثه مع صديقه عن «البلد اللي بتغرق»، وعن حياته وحياة أولاده المهددة في هذا الواقع، فيرد الصديق متجاهلًا كل تذمراته بكلمة «عادي»، متذرعًا بأن «الأونطة» هي طبيعة البلاد، وأن الشاعر «بيأدّن في مالطة» لأن «كله سكران السنادي». يعكس ذلك عدم الثقة في الجماهير، ويقود الكاتب إلى اليأس وقبول الواقع بوصفه أمرًا محتومًا؛ وهو ما ينتج عن الكفر بالجماهير وعدم رؤية أي إمكانية ثورية كامنة فيها.

كُتبت القصائد الثلاث السابقة قبيل ثورة يناير، وعلى عكس ما توحي به، لم تكن تلك الفترة فترة ركود أو خضوع. فقد شهدت مقاومة عمالية شديدة لبرنامج الإصلاح الهيكلي الذي تبنته الحكومة، وما ترتب عليه من تبعات اقتصادية. شارك كل من القطاعين العام والخاص في الاحتجاجات التي تنوعت بين الاعتصامات والإضرابات؛ إذ وصل عدد الاحتجاجات في عام 2006 إلى 222 احتجاجًا، وفي عام 2007 إلى 692 احتجاجًا، بينما بلغ عددها في عام 2008 نحو 447 احتجاجًا، وفي عام 2009 حوالي 478 احتجاجًا.

وكان أكبر هذه الإضرابات إضراب المحلة، الذي شارك فيه نحو 23 ألف عامل من موظفي شركة المحلة للغزل والنسيج، مطالبين بإقالة رئيس الشركة، والحصول على أرباح الشركة خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، وتحديد حد أدنى للأجور قدره 1500 جنيه مصري شهريًا. ومع تصاعد الأحداث، اشتبك المحتجون مع قوات الأمن، ما أدى إلى سقوط قتلى ومصابين في صفوف العمال، كما قاموا بكسر صور الرئيس ومكاتب الحزب الوطني الديمقراطي. وهكذا لم تكن الطبقة العاملة خاملة، إلا في خيال الطبقة الوسطى.

ومع اندلاع ثورة يناير، لعب العمال دورًا محوريًا—كثيرًا ما يُغفل في السردية الشائعة—في إسقاط النظام، من خلال موجات من الإضرابات في القطاعات الصناعية الحيوية، فضلًا عن احتلال مواقع العمل في أماكن عدة، مثل السويس للصلب، والسويس للأسمنت، والجامعة العمالية، وغيرها من المواقع التي أعلنت الانضمام للثورة. وقد وصفت إحدى الدراسات هذا الحراك بأنه كان أقرب إلى العصيان المدني، وأنه أسهم بقوة في التعجيل بإسقاط رأس النظام.

ولم يتوقف هذا الحراك بعد صدور بيان تنحي مبارك؛ إذ لم يكن تسليم السلطة إلى المجلس العسكري، ولا الوعود بتحول تدريجي للمجتمع، كافيًا لاحتوائه. ففي 19 فبراير 2011، أعلنت ثلاثون قيادة عمالية من مواقع تمتد من النقل العام وقناة السويس إلى مراكز المعلومات وهيئة البريد والعديد من المواقع الصناعية في قطاعات ومحافظات مختلفة، في بيان مشترك بعنوان «ثورة – حرية – عدالة اجتماعية»، عن مطالبهم المتمثلة في تحسين الأجور والمعاشات، وضمان الحرية النقابية والاستقرار الوظيفي، ومكافحة الفساد وضبط الأسعار، وحماية الحق في الإضراب والتظاهر، وضمان الرعاية الصحية، وحل الاتحاد العام لعمال مصر والتحقيق مع قياداته.

وقد وُجّهت إلى هذا الحراك اتهامات بالسعي وراء «مطالب فئوية»، وهي النغمة التي تكررت كثيرًا في وسائل الإعلام في مواجهة كل حراك عمالي خلال الفترة الانتقالية عقب ثورة يناير، بزعم عدم جواز التضحية بالاستقرار وعودة عجلة العمل وتعطيل الاقتصاد القومي من أجل مطالب تخص فئة بعينها.

وحتى بعد ثورة يناير، يمكننا ملاحظة استمرار هذه النظرة إلى «الغَلابة» في أغنية «دفتر أسامي الهاموش» لفرقة ليل وعين، التي تتناول الفئات الدنيا من جنود مراسلة، وعمال نظافة، وعمال مترو، وباعة متجولين، الذين لا تكفي الدفاتر لكتابة أسمائهم، في حين أن «كروش الديابة بتسمن وتتخن بلحم اللي ماتوا في آخر الطابور». وتنتهي الأغنية بعد هذا المقطع بجزء مقتضب من السلام الجمهوري، لكنها، رغم ما تحمله من تصوير للصراع الطبقي وتعاطف مع المستغَلين، لا تستطيع أن تراهم إلا في صورة سلبية بوصفهم «هاموشًا» كُتب عليهم الكدّ والشقاء والعجز.

وفي أغنية «مطلوب زعيم» لكايروكي، نلحظ توجهًا مشابهًا؛ فبينما تحتفي الفرقة بـ«الشعب اللي طول عمره عظيم»، فإنها لا ترى في هذا الشعب القدرة على حكم نفسه، ولا تتصور أي شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي خارج الإطار الليبرالي التقليدي، الذي يركّز على المطالب المتعلقة بالحريات السياسية، ويرى فيما عدا ذلك تهديدًا لمسار التحول الديمقراطي. وقد أدى ذلك في النهاية إلى التعويل على «زعيم» يقود هذا الشعب، الذي—للمفارقة—تصف الأغنية مأساته بأن «كل حكامه خانوه».

الفجوة بين النخب والجماهير 

لم تنطلق النخب السياسية، بشقّيها المدني والإسلامي، التي كان لها تأثير واسع في شباب الطبقة الوسطى، من المطالب المباشرة للجماهير، بل اقتصر برنامجها السياسي على الحريات السياسية والتحول الديمقراطي السلمي بوصفهما أولوية من شأنها أن تقود البلاد تلقائيًا نحو الاستقرار والنمو. وقد دفع ذلك هذه القوى إلى التفاوض مع المجلس العسكري، وعدم القدرة على معاداته بصورة كاملة، الأمر الذي أتاح للأخير مساحة واسعة للمناورة، فاستطاع ضرب الإسلاميين بالقوى المدنية، وتخويف القوى المدنية والأقليات من الإسلاميين في الوقت ذاته.

عجزت هذه القوى عن فهم جوهر الدولة الطبقية، ومن ثم عن إدراك أن المجلس العسكري ليس سوى جزء لا يتجزأ من دولة مبارك، وأن أهداف الثورة لا يمكن أن تتحقق إلا بهدم هذه الدولة بالكامل. كما عجزت عن إدراك أن اللامساواة، أو ما أطلقت عليه «المطالب الفئوية»، هي جزء أصيل من بنية هذه الدولة، وهو ما جعلها تقف إلى يمين الجماهير. أما رهانها على الانتقال السلمي للسلطة، فقد دفعها إلى النظر للحراك العمالي المتصاعد بعد الثورة بوصفه تهديدًا للاستقرار ولمسار التحول الديمقراطي.

رفضت قيادات الحركة العمالية هذا المسار، ورأت فيه انحرافًا عن المسار الحقيقي للثورة. وقد عبّر أحد البيانات الداعية للاحتفال بعيد العمال عام 2012، من خلال مليونية لتحقيق العدالة الاجتماعية، تحت اسم «مليونية أول مايو العمالية 21»، عن موقف واضح من هذه القضية؛ إذ رأت الحركة أن ثورة 25 يناير قد تحولت إلى ثورة حريات اكتفت بها النخبة، في حين تظل ثورة العدالة الاجتماعية، التي يخوضها الشعب، مستمرة. كما انتقد البيان تجاهل المثقفين والنخبة السياسية لنضالات العمال والموظفين وباقي الفئات، عبر الإضرابات والاحتجاجات المرتبطة بالأجور وغلاء المعيشة، في ظل اتساع الفجوة الظالمة بين معدل الدخل والأسعار.

وهكذا ابتعدت النخبة عن المطالب اليومية للجماهير، أو اكتفت–في أحسن الأحوال–بتأجيلها باعتبارها مطالب ثانوية ستتحقق تلقائيًا بعد التداول السلمي للسلطة. ونظرت إلى عموم الشعب بوصفهم «غلابة» و«بسطاء» مقموعين، لكنهم يفتقرون إلى حسن التقدير والتصرف. وقد تجلّى هذا التصور بوضوح في الرواج الواسع لأحد أكثر الكتب تداولًا بين أوساط النخبة في مرحلة ما بعد الثورة، وهو كتاب «سيكولوجية الجماهير» للفرنسي غوستاف لوبون. وتكمن المفارقة في أن يصبح كتاب ينظر بازدراء إلى أي فعل جماعي بشري، ولا يتجاوز كونه خليطًا من التعميمات والادعاءات الزائفة، من أكثر الأعمال انتشارًا في أوساط النخبة عقب ثورة جماهيرية ناجحة!

لم يقتصر هذا التجاهل للجماهير على الخطاب الفكري فحسب، بل امتد أيضًا إلى أشكال التعبير الفني في الشارع، وهو ما يمكن ملاحظته في فن الجرافيتي. فقد استخدمه شباب الطبقة الوسطى وسيلة للتعبير عن رفضهم للهيمنة الاجتماعية والسياسية، إلا أن هذا التعبير ظل في معظمه مقتصرًا عليهم، بوصفه نوعًا فنيًا منغلقًا على ذاته إلى حدٍّ ما، تخاطب من خلاله هذه الطبقة نفسها.

كان الجرافيتي أكثر الفنون ارتباطًا بالثورة، لما ينطوي عليه من روح التمرد والاحتجاج، إذ يتجسد العمل الفني ذاته بوصفه فعل مقاومة ومحاولة لإعادة تعريف الفضاء العام. وقد ظهر الجرافيتي بصورة محدودة لأول مرة في وسط القاهرة عام 2009، منسوبًا آنذاك إلى ما عُرف بجماعة «الإيمو»، وهي جماعة ثقافية شبابية تشكلت بين المراهقين، واتسمت بحساسية مفرطة، واهتمام بموسيقى الروك ذات الطابع العاطفي، وأسلوب لباس يغلب عليه اللون الأسود، وغالبًا ما ارتبط خطابها بالاكتئاب والتمرد.

لم يبدأ الجرافيتي فعليًا في جذب الأنظار إلا مع الثورة، ولا سيما في محيط الاشتباكات بين الشباب والمؤسسات القمعية للدولة؛ إذ جرى توثيق 193 عملًا جرافيتيًا في مدينتي القاهرة والإسكندرية، كان 159 عملًا منها يحتوي على كتابة. ومن بين هذه الأعمال نلاحظ حضورًا قويًا للغة الإنجليزية في 80 عملًا، أي ما يمثل نحو نصف عدد الأعمال التي تضمنت نصوصًا مكتوبة.

وهنا تتجلى الظاهرة التي أشرنا إليها سابقًا، وهي الفن المنغلق على ذاته والطبقة التي تخاطب نفسها؛ إذ يبدو غريبًا إنتاج هذا الكم الكبير من الأعمال المكتوبة باللغة الإنجليزية، وهي لغة لا يتقنها غالبية سكان البلاد. وقد ميّزت هذه الظاهرة مدينتي القاهرة والإسكندرية، بينما كان المكون الأجنبي أقل حضورًا في مدن أخرى مثل السويس والإسماعيلية والمحلة وطنطا والمنصورة والأقصر وأسوان؛ إذ لم تحضر اللغة الإنجليزية إلا في 13 عملًا فقط من أصل 85. ومع ذلك، يظل التقارب مع الوسط العمالي غائبًا؛ ففي مدينة المحلة، لا يظهر الطابع العمالي التاريخي للمدينة إلا في عمل جرافيتي واحد فقط، بينما تخلو باقي الأعمال من أي إشارة إلى هذا البعد.

لم تكن أعمال الجرافيتي منفصلة عن واقع أحداث الثورة ومعاركها، فقد حملت أغلب الأعمال شعارات ثورية، وصورًا وأسماءً لشهداء ثورة يناير وما تلاها من أحداث. غير أن تبنّي هذه الصيغة أو تلك من التصورات الليبرالية، والتأثر الشديد بتوجهات النخب السياسية، بشقّيها المدني والإسلامي، أدى إلى انعزال شباب الطبقة الوسطى عن حراك عمالي حقيقي كان قائمًا بالفعل على أرض الواقع، وعدم القدرة على التقارب معه أو النظر إلى معاركه بعين الاعتبار.

ففي المرحلة الانتقالية، خاض العمال معركة النقابات، ونجحوا في انتزاع اعتراف حكومي جزئي بالحق في تكوين النقابات المستقلة، وهو الحق الذي كانوا قد فرضوه جزئيًا قبل الثورة، وحصلوا بشأنه على أحكام قضائية مؤيدة دون موافقة الدولة. غير أن هذا المسار تعرض لانتكاسات بعد استقالة حكومة عصام شرف؛ إذ واجهت النقابات المستقلة مماطلات حكومية، وتدخلات من رجال الأعمال، وحملات إدانة إعلامية باعتبارها «مطالب فئوية»، ولم يكتمل الاعتراف القانوني بالاتحاد العام للنقابات المستقلة.

وخلال فترة حكم الإخوان، شهدت البلاد محاولات واضحة لكبح الحركة العمالية والسيطرة على النشاط النقابي، من خلال مجموعة من التعديلات والقوانين التي حدّت من حرية العمال في تأسيس النقابات وجرّمت الحق في الإضراب. وقد دفع ذلك الاتحاد المصري للنقابات المستقلة إلى إصدار بيان يندد بهذه المحاولات، ويرفض سياسات مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، ويطالب بمحاسبتهم على ما تعرض له عمال مصر من ظلم في عهدهم، كما دعا البيان إلى إقالة خالد الأزهري، وزير القوى العاملة آنذاك، واصفًا إياه بـ«عدو العمال».

ومع تصاعد المعركة ضد دستور الإخوان في عام 2012، بدأت الشعارات المطالبة بإسقاطه في الظهور ضمن بيانات الإضرابات العمالية. فقد رأت الحركة العمالية، بجناحيها الرسمي والمستقل، في هذا الدستور إهدارًا لحقوق الطبقة العاملة، وانحيازًا للأغنياء على حساب الفقراء. ومن أبرز الشعارات التي وردت في هذه البيانات: «يسقط دستور فصل العمال»، و«يسقط دستور الأغنياء ضد الفقراء»، و«فليسقط دستور عدم ضمان حق العمل».

ومع الانقلاب العسكري وما أعقبه من موجات قمع واعتقالات وإغلاق عنيف للمجال العام، وفي ظل فترة طويلة من الارتباك وعدم الحسم السياسي، تراجع الحراك الاجتماعي الذي تصاعد منذ ثورة يناير تحت وطأة القمع السلطوي والإجهاد. وفي هذه الظروف، اتجه تذمر قطاعات واسعة من شباب الطبقة الوسطى إلى معاداة كلٍّ من السلطة والجماهير معًا؛ فحملت تجاه الأولى مشاعر العداء، وتجاه الثانية إحساسًا بالمرارة وخيبة الأمل.

غير أن هذا الوضع لم يكن نتيجة حتمية للحراك الثوري، بل هو نتاج مسار طويل من الانفصال عن الجماهير، والتأثر العميق بالتصورات الليبرالية حول الانتقال السلمي للسلطة، ما أدى إلى تفضيل هذا الخطاب على أي مساعٍ راديكالية للتغيير الفعلي تنطلق من الاستجابة للمطالب اليومية للجماهير، وهي المطالب التي انعكست في شعاري «العيش» و«العدالة الاجتماعية» اللذان ميّزا الثورة المصرية.

نرى هذه المرارة واللوم الموجهان إلى الجماهير في أغنية «آخر أغنية» لفرقة كايروكي؛ فبينما تعلي الأغنية من شأن الحرية بوصفها قيمة تستحق المجاهرة بها حتى لو كانت هذه هي الأغنية الأخيرة، وتحتفي بحرية التعبير وتوجه نقدًا مباشرًا للنظام، فإن هذا الاحتفاء يترافق مع نقد حاد للجماهير، التي تصفهم الأغنية بـ«العبيد» في العبارة: «كلامي مش ضد النظام بس، كلامي ضد العبيد كمان». ويقود هذا الموقف في النهاية إلى حالة من اليأس وفقدان الأمل في إمكانية التغيير، كما يظهر في العبارة: «لو مية ألف نظام سقط هنفضل برضه في نفس المكان».

والأمر ذاته نجده في أغنية «ولاعة سودا» لمريم صالح، حيث يترافق النقد الحاد للحكومة وغياب العدالة في عبارة «يا حكومة وسخة أنا عايزة قاضي» مع الحط من قدر الجماهير في عبارة «الشعب زحمة لكنه فاضي»، وتتكرر لازمة «لكنه فاضي» مرات عديدة على مدار الأغنية.

ما أشبه اليوم بالأمس

الآن، وبعد مرور خمسة عشر عامًا على الثورة المصرية، لا يبدو أن شيئًا قد تغيّر؛ فما تزال السياسات الاقتصادية نفسها متَّبعة، وما يترتب عليها من تضخم متزايد، واتساع للفجوة الطبقية، وتآكل شبه كامل لشبكات الحماية الاجتماعية، وذلك في ظل سياسات تقشفية يفرضها صندوق النقد الدولي. وفي الوقت ذاته، تتعرض الحريات لمزيد من القمع، وتتغلغل القبضة الأمنية للدولة على نحو متصاعد، بينما تستمر ممارسات تزوير الانتخابات البرلمانية، ويجري تعديل الدستور بما يسمح بتمديد بقاء السيسي في الحكم.

إلا أن هذا الواقع لا ينبغي أن يقودنا إلى اليأس والإحباط؛ فعلى الرغم من تشكُّل الظروف نفسها من قمع وتضييق، فإن أشكال المقاومة والاعتراض عادت هي الأخرى للظهور والتبلور. فقد شهدت أعداد الاحتجاجات تصاعدًا ملحوظًا، إذ جرى رصد 41 احتجاجًا في الفترة من يناير إلى أبريل عام 2024، مقابل 56 احتجاجًا في الفترة نفسها من عام 2025. ويأتي هذا في سياق تزايد لجوء العمال إلى سلاح الإضراب، على الرغم من القوانين التي تجرّمه فعليًا؛ حيث سُجِّل خلال الشهور الأولى من عام 2025 أربعة عشر إضرابًا، مقارنة بأربعة إضرابات فقط في الفترة المناظرة من عام 2024، وكانت جميعها متمحورة حول المطالبة بزيادة الأجور.

وكان من أهم إضرابات الفترة السابقة إضراب عاملات وعمال وبريات سمنود، الذي استمر لأكثر من شهر. صحيح أن الإضراب لم يحقق الهدف الرئيسي المتمثل في تطبيق الحد الأدنى للأجور، إلا أنه انتزع للعمال زيادات في الرواتب، مع تعهّد من الإدارة بمناقشة الحد الأدنى لاحقًا. كما كشف الإضراب عن عدد من الدروس المهمة، أبرزها: تمسك العمال بإضرابهم وتضامنهم مع زملائهم الموقوفين والمحبوسين، وقدرتهم على الاستمرار لفترة طويلة في ظل دولة بوليسية، والدور القيادي والقتالي للعامِلات، واتساع دوائر التضامن الشعبي والسياسي، فضلًا عن رفض العمالة المؤقتة كسر الإضراب رغم تعرضها للفصل.

وكما نشأت حركة طلابية في فترة حكم مبارك على خلفية الانتفاضة الفلسطينية، شهدت الفترة الأخيرة حركة طلابية ناشئة على خلفية الإبادة الجماعية التي تمارسها دولة الاحتلال بحق الفلسطينيين منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. وقد عبّرت هذه الحركة عن نفسها من خلال المشاركة في المظاهرات المحدودة ضد سياسات دولة الاحتلال، وفي نشاط «طلاب من أجل فلسطين»، والمشاركة الواسعة للطلبة في أسطول الصمود المصري، فضلًا عن بعض الاحتجاجات المرتبطة بحوادث طلابية، مثل حادثة طالبة المنصورة وحادثة أتوبيس الجلالة.

وعلى الجانب الآخر، لا يزال فن الطبقة الوسطى—رغم اندثار العديد من الفرق المستقلة أو تراجع إنتاجها الفني—يدور في فلك الحالة السائلة ذاتها التي أشرنا إليها سابقًا، وما تفرزه من مشاعر العزلة والضياع والقلق. ويتجلى ذلك في الأغاني الأخيرة لفرقة كايروكي، مثل: «بسرح وأتوه»، و«بنخاف»، و«كوستاريكا»، و«أنا نجم»، و«حاجات جوايا»، وكذلك في أغنيات «نص الحاجات» و«مساومات» لفرقة مسار إجباري، وأغنية «الفطرة» لمريم صالح.

كما يظهر هذا الاتجاه أيضًا في الدواوين الشعرية الجديدة، مثل ديوان «زي قط القهاوي» لحازم عمر، الفائز بجائزة أحمد فؤاد نجم لعام 2024، وديوان «على سفر» لمايكل عادل، و«رسالة من العزلة» لمحمد مرعي، الفائز بجائزة أحمد فؤاد نجم لعام 2025، والتي تدور مضامينها حول ثيمات العزلة، والإرهاق، ومساءلة الواقع، والشعور بالضياع.

لنكسّر الدائرة 

من أجل تغيير هذا الواقع يجب علينا تكسير الدائرة التي تعيد ترتيب الواقع كأنه قدر لا يمس، تلك الدائرة التي نتحرك داخلها لكننا لا نغادرها، نبدل المواقع ونغير الوجوه، وتبقى القواعد نفسها. وأول خطوة لكسر هذه الدائرة هي الوعي بأنها ليست طبيعية ولا أبدية، وأنها نتاج ظروف وسياسات مجتمع طبقي يضطهد الأغلبية لصالح الأقلية، ومن هنا تنبع فرص التغيير الكامنة في اتحاد هؤلاء المضطهدين.

في النهاية، يظل لفن ثورة يناير سحره الخاص، النابع من كونه نتاج تجربة صادقة تنبض بالحياة بكل ما تحمله من اندفاع وأحلام ويأس وانكسارات. وعلى هذا النحو، يمكن رؤية ثورة يناير لا بوصفها نهاية الطريق؛ فهي، بكل ما حملته من تضحيات وآمال، وكل ما بثته فينا من أمل وتمرد وحزن، كانت عملًا بشريًا لا يتصف بالكمال، لكنها فتحت أمامنا الباب للثقة في قدرتنا على فرض التغيير.

صحيح أن الوضع الراهن شديد الصعوبة، غير أن هذا الواقع لن يستمر إلى الأبد. فوسط السياسات الاقتصادية القاسية، تبدأ الحركة العمالية والطلابية صغيرة ثم تنمو، وتلوح أمامنا فرصة التعلم من الماضي والسعي نحو فرض واقع جديد. وكما قال مصطفى إبراهيم في قصيدته “مع الثورة ذلك أفضل جدًا”:

قال الشهيد للشهيد في السما السادسة:

مين كان من الأنبياء مش قلة مندسة؟

وحكى الشهيد للشهيد من السما السابعة:

عن ثورة ثانية حتجي.. أقوى من الأولى

المصادر:

  1. محمد جاد، ملاك مصر ص100، دار المرايا.
  2. زيجمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر. الرباط: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
  3. فرقة كراكيب تغني هموم الشارع، قناة العربية، (2014).
  4. محمد جمال بشير(جيمي هود) ، الالتراس، دار دون، (2011).
  5. أحمد مصطفى، العمال يؤكدون الاستمرار فى الاحتجاجات لحين تحقيق مطالبهم، اليوم السابع،(2010)
  6. Egypt Independent, Thousands of Mahalla textile workers go on strike.
  7. عماد أبو غازي، الطبقة العاملة والحركات العمالية في ثورة 25 يناير، موقع المرايا، (يناير 2018)
  8. بيان مشترك: ثورة – حرية – عدالة اجتماعية، موقع الاشتراكي، (فبراير 2011)
  9. عماد أبو غازي، المصدر نفسه
  10. محمود فطين، أشباح يناير، دار المرايا، (2024)
  11. حركة الاشتراكيون الثوريون، سُحُب الغضب الاجتماعي تتجمع لمواجهة الإفقار والتجويع، موقع الاشتراكي، (مايو 2025).
  12. حركة الاشتراكيون الثوريون، المصدر نفسه.
  13. دروس معركة النفس الطويل ومهام المستقبل، موقع الاشتراكي، (سبتمبر 2024)

كاتب

Scroll to Top