
مقدمة : انحيازات الدولة وتناقضات السوق
على إثر الأزمة الأخيرة الناجمة عن إلغاء قانون الإيجار، والتي تهدّد بتشريد نحو 1.64 مليون أسرة، وعلميات الإخلاء القسري التي تعرض لها أكثر من 2.8 مليون شخص ضمن محيط القاهرة الكبرى بحسب الباحثة أمنية خليل لم تحصل الغالبية العظمى منهم على تعويض. نستحضر أزمة الإسكان المتفشية في مصر والتي ترجع بدايتها إلى قرن مضى ونرى التناقض الصارخ بين أزمة إسكان عنيفة يتعرض لها أغلبية المصريين وبين نمو هائل في القطاع العقاري المصري قائم على تشييد “كومبوندات” فارهة لأقلية من السكان.
على مدار السنوات الأخيرة كان القطاع العقاري ينمو بمعدلات مذهلة وتضاعت ثروات كبار المستثمرين في هذا القطاع ولكن هل انعكس ذلك على أغلبية السكان أو ساعد على حل أزمة السكن في مصر أم أن تراكم الثروة في جانب كبار المطوريين العقاريين كان يستلزم تراكم البؤس في الجانب الآخر.
ويدفعنا ذلك للتساؤل حول قدرة السوق الرأسمالي على حل الأزمات، وحول انحيازات الدولة، فهل تقف فعلا على الحياد أم أنها تنحاز للطبقة البورجوازية ليس فقط من خلال توجيه جهازها القمعي نحو العمال في مطالبهم بأجورعادلة أو ظروف عمل أفضل كما حدث طوال السنتين الاخيرتين من قمع للعمال والعاملات الذين طالبوا بالحد الأدنى للأجور الذي أقرته الدولة بل أيضا بتوجيه موادرها لخلق قطاعات عالية الربحية بما يخدم مصالح هذه الطبقة ويزيد أرباحها على حساب الأغلبية.
مشروعات قومية لمصلحة الأقلية
لا يمكن النظر إلى هذا النمو وإلى الطابع النخبوي للمناطق الجديدة إلا كنتيجة لتوجه عام نحو خلق قطاعات كثيفة الربحية بهدف جذب الاستثمارات. وهو التوجه التي بدأ فيه الحكومة من التسعينات إلا أنه تطور بشكل كبير على مدار السنوات العشر الماضية من خلال عمليات تسليع واسعة للأراضي، إنفاق حكومي ضخم على البنية التحتية.
في عام 2014 أخذت الدولة على عاتقها مهمة تنشيط الاقتصاد وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار من خلال خلق بيئة مناسبة لتحقيق الأرباح ومن هنا بدأت تنفيذ مجموعة من مشروعات البنية التحتية بدأت بالمشروع القومي للطرق عام 2014 الذي تضمن إنشاء 7,000كم من الطرق الجديدة بتكلفة وصلت إلى 175 مليار جنيه حتى الآن وتطوير ورفع كفاءة 10,000كم من الطرق بتكلفة وصلت إلى 130 مليار جنيه حتى الآن. هذا التطوير الذي تضمن عمليات هدم مست العديد من المناطق التراثية بالقاهرة مثل منطقة الإمام الشافعي والسيدة زينب وأجزاء من جبانة المماليك.
وصرحت وزارة النقل عام 2024 بأن إجمالي الموازنة الاستثمارية الموجهة للقطاع خلال 2014–2024 بلغ نحو 2 تريليون جنيه توزعت بين :
| قيمة الإنفاق (مليار جنيه) | القطاع |
| 1100 | مترو الأنفاق والجر الكهربي |
| 530 | الطرق والكباري |
| 225 | السكك الحديدية |
| 129 | النقل البحري |
| 15 | الموانئ البرية والمناطق اللوجستية |
| 4 | النقل النهري |
كان الهدف من مشروعات الجر الكهربائي ومعظم الطرق الجديدة هو توسيع النطاق العمراني بضم مناطق كانت تعد نائية إلى الحيز الحضري. وقد ترافق هذا التوسع في شبكة الطرق مع استثمارات ضخمة في البنية التحتية الأساسية والثانوية، إنشاء محطات مياة وكهرباء ومد شبكات داخلية لإيصال المرافق الحيوية من مياه وكهرباء وصرف صحي إلى جانب تنفيذ عمليات التشجير والتجميل المطلوبة، وتنفيذ مشروعات التنمية العمرانية اللازمة لتوفير الخدمات الأساسية مثل المدارس والمستشفيات والأسواق والمساجد.
كان هذا التوجه نحو زيادة الحيز العمراني من أجل إنعاش عجلة الاقتصاد متأثرا بتوجه عالمي أخذ في النمو بعد الأزمة العالمية في 2008 التي أدت إلى تباطؤ وتيرة الاقتراض التقليدي ما دفع شبكات التمويل العالمية في توجيه الفوائض الرأسمالية من أوروبا والصين وأمريكا إلى إعادة تدوير ما لديها من سيولة إلى أسواق الدول الأقل ترتيبا على قوائم الارتقاء المالي وهو ما تجلى في التدافع العالمي لتمويل البنية التحتية. رافق هذا التوجه خطاب حول نقص البنية التحتية في دول الجنوب العالمي تبنته منظمات التنمية متعددة الأطراف مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير. كما أن قدرة الدولة المستمرة على توفير المساحات الواسعة المطلوبة لهذا النوع من المشاريع عن طريق الملكية المباشرة أو التأميم أو نزع الملكية يعزز من قيمة أدوات الدين في سوق المال، ما يجعل وجود أنظمة قمعية في البلدان الأدنى في التسلسل الهرمي المالي ضروري.
خلال الفترة من 2014 إلى 2023، بلغ إجمالي استثمارات وزارة الاسكان الموجهة إلى المدن الجديدة نحو 1.3 تريليون جنيه، خصص نحو 75% منها لتنمية “مدن الجيل الرابع” مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والمنصورة الجديدة، وغيرها، وفقا لتصريحات عاصم الجزار، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية.
ولتوضيح أولويات الدولة الاستثمارية، تُظهر بيانات الموازنة العامة لعام 2017-2018 أن نحو 60% من إجمالي الاستثمارات الحكومية وجهت إلى قطاع المرافق والإسكان وقطاع الشؤون الاقتصادية، وهما القطاعان المسؤولان عن مشروعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والكباري. في المقابل، لم تتجاوز حصة التعليم 10% وحصة الصحة 7.5% من إجمالي الاستثمارات الحكومية خلال نفس العام.
وجه معظم هذا الإنفاق إلى المدن الجديدة بهدف تنشيط الاستثمار وخلق فرص لزيادة أرباح هذا القطاع.
مع ذلك، تظهر البيانات أن المساهمة الأساسية في إنتاج المساكن خلال السنوات الست عشرة الماضية جاءت من القطاع الخاص غير الرسمي، الذي يتركز نشاطه داخل المدن القائمة بالفعل لا في المدن الجديدة.
وهذا يشير إلى أن أي تنمية حقيقية تستهدف تحسين حياة الأفراد، لا تعظيم الأرباح، كان من المفترض أن تركز الإنفاق على دعم وتطوير العمران القائم بالفعل.


لقد خلق هذه التوجه بالفعل سعيا للاستثمار في التطوير العقاري باعتباره أحد القطاعات الأكثر ربحية ما حقق نسب نمو هائلة في هذه القطاع تفوق وأحيانا تساوي ضعف النمو الكلي في الاقتصاد متفوقا.


غير أن السؤال الجوهري هو: كيف تم توفير هذه البيئة؟ ومن أين حصلت الدولة على التمويل اللازم للانفاق على مشروعات الطرق والبنية التحتية الضخمة؟
الديون لنا والارباح للمستثمرين
إن الاقتراض والضرائب هما الموردان الذين يعتمد عليها تنفيذ هذه المشروعات بشكل أساسي باعتبارهما العمود الفقري للإنفاق الحكومي، وهما موردان شهدت قيمتهما ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بفعل تسارع وتيرة الاقتراض، بل أيضا نتيجة التحرير المستمر لسعر الصرف وما يترتب عليه من ارتفاع كلفة خدمة الدين.

مع استمرار سياسات تحرير سعر الصرف تضاعف العبء الواقِع على المالية العامة، إذ أصبح الدين العام يلتهم الحصة الأكبر (أكثر من النصف) من نفقات الموازنة. ما جعل الدولة تنتهج سياسات تقشفية لضبط لسد هذا العجز.
يمكن النظر إلى هذه السياسة بوصفها آلية لانتزاع القيمة من المواطنين لصالح المستثمرين، إذ إن الدولة اقترضت خلال السنوات العشر الأخيرة عند متوسط سعر صرف 15 جنيها للدولار بهدف الانفاق على مشاريع البنية التحتية وتهيئة بيئة كثيفة الربحية جاذبة للاستثمار، لكنها اليوم تسدد تلك الديون عند سعر صرف يبلغ نحو 47.6 جنيها أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف. وبهذا، ففي الوقت الذي تضاعفت فيه فرص وأرباح كبار المطورين العقاريين، كانت مدخرات غالبية المصريين تتآكل وتتدهور مستويات معيشتهم . أي أن تمويل أرباح المستمثرين كان من جيوب المواطنين.

بالتوازي مع ذلك، اتجهت الحكومة إلى تقليص الإنفاق الاجتماعي خضوعا لمتطلبات برنامج صندوق النقد الدولي، وهو ما انعكس تدريجيا على منظومة الدعم التي شهدت انكماشا ملحوظا، سواء عبر تقليل عدد المستفيدين أو إعادة هيكلة أشكال الدعم المقدم.

ولم يقتصر الأثر على الدعم فحسب، بل امتد إلى القطاعات التعليم والصحة، حيث تراجعت مخصصاتهما إلى نسب تقل عن النسب المنصوص عليها دستوريا.

صحيح أن مخصصات التعليم والصحة تشهد زيادات سنوية في كل موازنة جديدة، غير أن هذه الزيادات تبقى أقل بكثير من معدلات النمو الاسمي للناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل قيمتها الحقيقية تتآكل بسبب التضخم.

تنمية للمستثمر لا المواطن
إن هذا النمو في القطاع العقاري، الذي ارتكز على التشجيع الحكومي، لم ينعكس على أسعار الوحدات السكنية ولم يخفف من أزمة السكن في مصر. إذ توجه كامل إنتاج القطاع الخاص الرسمي نحو إنشاء الكومبوندات الفاخرة المخصصة للفئات الأكثر ثراءا، ما حقق أرباحا طائلة لشركات التطوير العقاري وحدها.
وفقا لدراسة أجراها مرصد العمران حول أرباح أكبر 10 شركات تطوير عقاري مدرجة بالبورصة المصرية خلال الأعوام من 2010-2021. بلغ متوسط صافي ربح العشر شركات الكبرى 88% من إجمالي أرباح القطاع كان نصيب الأربع شركات الكبرى منها هو 72% أي 63.4% من كامل أرباح القطاع. ومن المهم أن نلاحظ غياب مجموعة من الشركات الكبرى مثل دريم لاند، ومصر إيطاليا، والفطيم والمرشدي، ونيو جيزة، وتطوير مصر، وماونتن فيو. وهذا راجع لأن هذه الشركات غير مدرجة في البورصة المصرية، أوليسوا مملوكين جزئيا لشركات مدرجة.


لم يقتصر الأمر على الأرباح الناتجة عن عملية التطوير العقاري نفسها حيث شكلت مخزون الأراضي الذي راكمته الشركات العقارية موردا استثماري تتزايد قيمته مع كل موجة من موجات تحرير سعر الصرف. وهكذا أصبحت الأراضي تشكل مصدرا لتوليد الأرباح بمعزل عن عملية البناء.
ومع استمرار تحرير سعر الصرف وتراجع قيمة الجنيه بشكل حاد في أعوام 2022 و2023 و2024، قفزت قيمة الأراضي المخصصة للشركات العقارية، محققة أرباحا ريعية ضخمة. حيث قامت الشركات بتسعير الأراضي وفق قيمتها بعد التعويم لا وقت الشراء، مستفيدة في الوقت نفسه من القيمة المضافة التي وفرتها شبكات الطرق الجديدة.
وبحسب تقرير صادر عن مجلة أصول مصر المتخصصة في الشأن العقاري، ارتفع متوسط سعر المتر المربع في بعض مشاريع العاصمة الإدارية الجديدة من نحو 12,500 جنيه عام 2020 إلى حوالي 60,000 جنيه في عام 2025، أي بزيادة قدرها 385% خلال خمس سنوات فقط. وفي مدينة العلمين الجديدة قفز متوسط سعر المتر من حوالي 26,000 جنيه في 2020 إلى 135,000 جنيه في 2025، مسجلاً زيادة نسبتها 419% خلال الفترة نفسها. أما في مدينة السادس من أكتوبر، فقد ارتفع متوسط سعر المتر من نحو 11,000 جنيه في عام 2020 ليصل إلى 65,000 جنيه في 2025.
| نسبة الزيادة الإجمالية بالنسبة للمنطقة | نسبية الزيادة | سعر المتر عام 2025 (بالألف جنيه) | سعر المتر عام 2020 (بالأف جنيه) | المنطقة | الشركة | اسم المشروع |
500% | 700% | 85 | 10.7 | 6 أكتوبر | بالم هيلز | باديا |
| 400% | 40 | 8 | IGI | أشجار ستي | ||
| 450% | 60 | 11 | Arabia | صن كابيتال | ||
| 440% | 70 | 13 | ماونتن فيو | أي سيتي | ||
| 525% | 75 | 12 | أورا | بيراميدز هيلز | ||
520% | 600% | 120 | 17 | القاهرة الجديدة | بالم هيلز | بالم هيلز نيو كايرو |
| 450% | 90 | 16.5 | ماونتن فيو | أي سيتي | ||
| 590% | 90 | 13 | هايد بارك | هايد بارك نيو كايرو | ||
| 445% | 190 | 35 | إعمار مصر | ميفيدا | ||
| 500% | 90 | 15 | الحاذق | ليك فيو | ||
385% | 400% | 70 | 13.5 | العاصمة الإداراية | مصر إيطاليا | البوسكو |
| 360% | 60 | 12.5 | كريد | كاسيل لاند مارك | ||
| 330% | 55 | 12.8 | العتال | بارك لين | ||
| 450% | 70 | 12.7 | الصفوة | كابيتال هايتس 2 | ||
| 360% | 50 | 11 | تاج مصر | دي جويا | ||
450% | 420% | 130 | 25 | الساحل الشمالي | لافيستا | لافيستا باي |
| 380% | 145 | 30 | بالم هيلز | هاسيندا وايت | ||
| 460% | 100 | 18 | إنريشا | جيفيرا | ||
| 400% | 200 | 40 | إعمار مصر | مراسي | ||
| 525% | 100 | 16 | معمار المرشدي | زهرة | ||
| 460% | نسبة الزيادة الإجمالية | |||||
ومما يستدعي النظر في هذا السياق هو أن الثروة العقارية الضخمة من الأراضي لهذه الشركات لا يقابلها مستوى أعمال يتناسبها معها على الإطلاق بل إن العلاقة بينهما تكاد أن تكون عكسية. ويوضح الشكلين هذا التوجه:


الدولة كرأسمالي كبير
أدى الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي وما نتج عنه من نمو ريعي لصالح كبار المطورين العقاريين إلى بروز نمط جديد من الاستثمار هو الاستثمار المشترك، حيث يجري التعاون بين كبار ملاك الأراضي وشركات القطاع الخاص التي تمتلك علامات تجارية ذات سمعة قوية. وقد انخرطت الدولة بدورها في هذا التوجه، بوصفها المالك الأكبر للأراضي.
إحدى أبرز الأمثلة على ذلك هو شركة “مصر الجديدة للإسكان والتعمير” والتي تمتلك الدولة أكثر من 70% من أسهمها عبر الشركة القابضة للتشييد والتعمير. تأسست “مصر الجديدة للإسكان والتعمير” عام 1906 وهي الآن تعد من أكبر مالكي الأراضي في مصر ما مكنها من الانخراط في هذا التوجه الجديد للاستثمار العقاري. في هذا السياق دخلت شركة ” مصر الجديدة للإسكان والتعمير” في شراكة مع شركة “سوديك” الإمارتية عام 2017 لتنمية 2.7 مليون متر مربع في منطقة هليوبوليس الجديدة في مشروع تذهب 30% من عائداته إلى شركة “مصر الجديدة للإسكان والتعمير” في صفقة تتضمن تسعيرا للمتر بقيمة 3300جنيه.
لم تكن هذه الحالة هي الأولى من نوعها للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص فهناك نموذج آخر في عام 2016 وهو مشروع “أي سيتي” الذي قام على الشراكة بين هيئة المجتمعات العمرانية و”ماونتن فيو – سيسبان” السعودية المصرية بواقع أرباح 60% للقطاع الخاص و40% لهيئة المجتمعات العمرانية. كان هذا المشروع موجها بالكامل نحو الإسكان الفاخر والهدف منه تبعا لموقع الهيئة هو الدفع بعجلة الاستثمار في القطاع العقاري .
وقد صرح الدكتور عاصم الجزار، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، أن الدولة تنفذ مشروعات بالشراكة مع القطاع الخاص تتضمن شراكة مع أكثر من 76 مطورا على مساحة حوالى 16 ألف فدان، بقيمة استثمارات بلغت 1.1 تريليون جنيه، حصة الدولة منها 311 مليار جنيه.
انعكس هذا التوجه لهيئة المجتمعات العمرانية نحو الاستثمار في الإسكان الفاخر ليطال قطاع الإسكان الحكومي، إذ شهد الإسكان الاستثماري نموا تدريجيا على حساب الإسكان الاجتماعي، إلى أن تجاوزه في عام 2022/2023، مستحوذا على نحو 59% من إجمالي مشروعات الإسكان الحكومي.

وتعتبر شركة العاصمة الإدارية هي الحلقة الأبرز لتبلور هذا التوجه حيث نشأت من خلال شراكة بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة لتخطيط وإنشاء وتنمية نحو 230ألف فدان هي كامل مساحة العاصمة الإدارية الجديدة بعد أن تم نقل ملكية هذه الأراضي للشركة بموجب قراري 57 لعام 2016 و333 لعام 2022 ويحق للشركة التصرف في الأراضي بالطريقة التي تراها مناسبة.
إن هذا التوغل لأجهزة الدولة في القطاع العقاري كمستثمر كبيريجعلها مستفيدا مباشرا من تناقضاته التي تلعب عليها وتستغلها كما يفعل أي رأسمالي لزيادة أرباحه، وهو ما يقف كعائق أمامها في تنفيذ أي إجراء ينتج عنه أي تراجع تصحيحي في أسعار السكن.
خلق قطاع يزهر في الأزمات
إن التصاعد الدائم لأسعار السكن حول العقارات من سلعة مرتبطة بتلبية الحاجة للسكن في المقام الأول إلى هدف للاستثمار الشخصي للأفراد، ما عزز الانفصال بين سعر العقار كسلعة وبين الطلب عليها لاستعمالها كمسكن، فأصبحنا أمام حالة استثنائية يزدات فيها المعروض العقاري عن الحاجة الاستعمالية للأفراد وتزداد أسعاره في نفس الوقت، ويوضح الشكل التالي فائض الإنتاج السنوي من العقارات في مقابل عدد الزيجات.

إن أول ما سيتبادر إلى الذهن عن الاطلاع على الشكل السابق هو سؤال: لماذا لا يتم توزيع هذه الوحدات على مستحقيها؟ ولماذا ترتفع أسعار السكن في بلد يمتلك فائضا في عدد الوحدات العقارية؟ لماذا يشغل العقار بال المصريين إلى هذه الدرجة في ظل وحود كل هذه المساكن؟
ن هذه الحالة المخبولة هي نتاج نمط إنتاج مخبول يحكمه قانون السوق والأرباح على حساب تلبية احتياجات الأفراد، نمط إنتاج يغترب فيه الأفراد عن منتج عملهم فيتحكم هو فيهم بدلا من يتحكموا هم فيه فيغتني العالم بالأشياء بينما يفقر الإنسان نفسه. وقد وصف كارل ماركس هذه الحالة بصورة مذهلة
على النحو التالي” إن العامل يزداد فقرا كلما زادت الثروة التي ينتجها، وكلما زاد انتاجه قوة ودرجة، والعامل يصبح سلعة أكثر رخصا كلما زاد عدد السلع التي يخلقها، فمع القيمة المتزايدة لعالم الأشياء ينطلق في تناسب عكس انخفاض قيمة البشر”.
بحسب تصريحات عبد الخالق إبراهيم مساعد وزير الإسكان عام 2023، فإن عدد الوحدات السكنية المغلقة وغير المستغلة في مصريقدر بحوالي 13 مليون وحدة سكنية، وهو ما يمثل 31% من المخزون السكني وفقا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبة والإحصاء لعام 2017، إلا أن هذا الفائض الهائل في المعروض لم ينعكس على أسعار العقارات فالعقارات أصبح تمتلك بهدف الحفاظ على المقدرات أو تامين النفس من تقلبات الزمن وليس كمكان للسكن. ويظهر الشكل التالي مستوى ارتفاع الاسعار في منطقة شرق القاهرة الجديدة.

كانت السنوات من 2014-2017 استثنائية حيث عاشت مصر أزمة نقص عملة أدت الى تفاقم سعر الدولار بين السوقين الرسمي والموازي، خلال هذه الفترة كانت العقارات ملاذ آمنا للمدخرات بالعملة المحلية من مخاطر التضخم، واستمر هذا التوجه نحو حفظ المقدرات المالية من مخاطر التضخم والأزمات هو ما يدفع الطلب على العقارات للزيادة.

من الذي يشتري؟
بعد التعويم أصبحت العقارات فرصة استثمارية ممتازة في أعين أسر المصريين العاملين بالخارج وكل من تتوفر لديهم فوائض دولارية كبيرة مما انعش القطاع العقاري في وقت كان فيه الغالبية العظمى من المصريين يعانون من الضغوط التضخمية.

يوضح الشكل السابق ارتفاع عدد العقارات المباعة بشكل كبير في الفترة من يوليو 2016 حتى يناير2017 وهي الفترة التي تضمنت تعويم سعر الصرف في نوفمبر 2016.
تذكر الباحثة بيسان كساب في كتبها ملاك مصر الصادر عام 2019 اعتمادا على تقرير صادر عام 2017 عن السوق العقاري المصري أن عدد زبائن العقارات الفاخرة في مصر يقدر بنحو 2.5 مليون مواطن – 2.1% من إجمالي السكان – منهم أكثر من نصف مليون مغترب أي 20% من إجمالي المشتريين، ويبدو أن هذه الهيمنة سوف تستمر حيث أن غرفة التجارة المصرية الأمريكية قد قدرت في ديسمبر 2016 أن المشروعات العقارية الجارية التي ستنتهي في 2026 سيتوجه 40% منها للاستثمارات الفاخرة.
وبعد أكثر من 8 سنوات، صرح رائد الأعمال مصطفى البلتاجي، الرئيس التنفيذي لشركة “ناوي” المتخصصة في رقمنة السوق العقارية، بأن ما بين 30% و40% من إجمالي عمليات الشراء في السوق العقارية المصرية يقوم بها مصريون مقيمون خارج البلاد.
إن هذا التوجه نحو الاستثمار في شراء من أصحاب الفوائض المالية الدولارية، سواء من العاملين في دول الخليج أو من المشتغلين عن بعد (فري لانسرز) مع شركات التكنولوجيا، يكشف على نمط معقد من الاستغلال الاقتصادي للطبقة العاملة. فالأجور التي يتقاضونها تبدو مرتفعة بالمعايير المحلية، لكنها في حقيقتها نتاج الفارق الكبير في قيمة العملة بين مصر ودول الشركات المشغلة. هذا الفارق يسمح للشركات باستقدام عمالة منخفضة التكلفة مقارنة بنظرائهم في بلدان أخرى، مع حرمانهم في الوقت نفسه من أي ضمانات اجتماعية حقيقية.
في حالة العمالة المصرية بالخليج، على سبيل المثال، لا تسمح سياسات دول الخليج بتجنيس العاملين ولا تدمجهم في أي شكل من أنظمة التأمين التقاعدي، مهما طالت فترة عملهم. وهو ما يجعل عودتهم إلى بلدهم الأصلي حتمية عند انتهاء عقودهم، فتغدو العقارات وسيلة رئيسية لحفظ مدخراتهم، إلى جانب أشكال أخرى من الاستثمار الريعي مثل الودائع البنكية أو شراء وحدات للإيجار، الأمر نفسه ينسحب على العاملين عن بعد حيث أن عقود عملهم لا تحتوي على أي شكل من أشكال الاتزام الاجتماعي من جانب الشركة المشغلة تجاهه لا معاش تقاعدي لا تأمين صحي لا إيجازات مرضية مدفوعة لا إيجازات عارضة.
الخاتمة
إن تحليل القطاع العقاري خلال السنوات الماضية عن انحياز نحو تحويل القطاع العقاري إلى قطاع عالي الربحية، إلا أن هذا النموذج من التنمية القائم على خلق الأرباح بأي ثمن عجز عن تلبية أحد أكثر الاحتياجات الإنسانية إلحاحا. كل هذا من أجل من أجل دفع عجل نظام اقتصادي بليد استنفذ فاعلية التاريخية، فبينما تواصل الدولة دعم التوسع في مشروعات عقارية موجهة للنخبة خالقا فرص استثمارية لكبار المطوريين العقاريين تتعمق الفجوة السكنية وتتعرض فيه الطبقة العاملة للاستغال على مستويات مختلفة : كعمال ينتزع منهم فائض قيمة وكمواطنين يسددون ديون الحكومة التي تتدهور مدخراتهم بسببها وكمستهلكين في نمط إنتاج لا يعبأ باحتياجاتهم.
مصادر
يحيى شوكت.الإيجار القديم في سبع إحصاءات – صحيفة بيانات.مرصد العمران.(2024، 26 نوفمبر).
أمنية خليل. العدالة العمرانية وضبط الشعب (2): هل تمّ تهجير ونقل 14% من سكان القاهرة الكبرى؟. المفكرة القانونية. (أغسطس 2024)
يوسف مجدي.إنجازات وزارة النقل بقطاع الطرق والكباري خلال 10 سنوات. أموال الغد. (يوليو 2024). [1] سامح فريد.2 تريليون جنيه تكلفة مشروعات وزارة النقل من 2014 وحتى 2024. المصري اليوم. (يوليو 2024).
داليا وهدان. في عرض الطريق.ص8.دار المرايا(2024)
المصدر نفسه. ص9.
المصدر نفسه. ص11.
آية دعبس. وزير الإسكان: 1.3 تريليون جنيه استثمارات بالمدن الجديدة من 2014 حتى 2023. اليوم السابع. (أبريل 2024).
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.أين تذهب أموالنا هذا العام؟ 2017-2018.(يوليو 2017)
يحيى شوكت ودينا المزاحي. من يبني الإسكان في مصر2023. مرصد العمران.(يناير 2024)
مرصد العمران. من يملك القاهرة؟ | القسم الأول: شركات دراسة الحالة. (أغسطس 2022)
بيسان كساب. ملاك مصر. سياسة تسليع السكن في مصر.ص184
المصدر السابق. ص185
المصدر السابق. ص190
مها عصام. أموال الغذ. وزير الإسكان: الدولة تنفذ مشروعات بالشراكة مع أكثر من 76 مطورا باستثمارات 1.1 تريليون جنيه. (أبريل 2024)
يحيى شوكت ودينا المزاحي.من يبني الإسكان في مصر2023. مرصد العمران.(يناير 2024)
كارل ماركس، المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام 1844، ترجمة محمد مستجير مصطفى.
محمد مجدي وعاصم عميرة. جريدة المال. مساعد وزير الإسكان: 13 مليون وحدة سكنية مغلقة في مصر. (نوفمبر 2023)
تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2017.
بيسان كساب. ملاك مصر. سياسة تسليع السكن في مصر.ص182
المصدر السابق. ص182
مصطفى البلتاجي. بودكاست المال الحلال.(يوليو 2025)

