الأول من مايو يوم العمال 

بقلم: إريك هوبسباوم | ترجمة: محمد علي

مصدر الصورة: ويكي ميديا عيد العمال، مصر 2013

في عام 1990، كتب مايكل إغناتييف في مقالٍ له عن عيد الفصح في مجلة Observer أن “المجتمعات العلمانية لم تنجح قط في تقديم بدائل للطقوس الدينية”. وأضاف أن الثورة الفرنسية، رغم أنها حوّلت الرعايا إلى مواطنين، ورفعت شعارات الحرية والإخاء والمساواة على واجهات المدارس، ودمّرت الأديرة، فإنها، باستثناء الرابع عشر من يوليو، لم تترك أثرًا يُذكر على التقويم المسيحي القديم.

إن موضوعي الحالي يُعدّ، على الأرجح، المثال الأكثر وضوحًا على التأثير الذي يمكن أن تُحدثه حركة علمانية في التقويم المسيحي، بل وفي أي تقويم رسمي آخر. فهو يوم عطلة لم يُعتمد في دولة أو اثنتين فحسب، بل كان، بحلول عام 1990، معترفًا به رسميًا في 107 دول. والأهم أن هذه المناسبة لم تنشأ بقرار من الحكومات أو نتيجةً لفتوحات، بل ولدت من حركة غير رسمية قادها نساء ورجال من الطبقات الفقيرة.

إنني أتحدث عن “يوم العمال”، أو، بدقة أكبر، الأول من مايو، العيد العالمي لحركة الطبقة العاملة، الذي كان ينبغي الاحتفال بمئويته عام 1990، إذ انطلقت أولى فعالياته في عام 1890.

“كان ينبغي” هي الصيغة الأدق، لأنه، باستثناء المؤرخين، لم يُبدِ كثيرون اهتمامًا يُذكر بهذه المناسبة، ولا حتى داخل الأحزاب الاشتراكية التي تُعدّ الامتداد التاريخي لتلك القوى التي دعت، في المؤتمرات التأسيسية لما عُرف لاحقًا بالأممية الثانية عام 1889، إلى تنظيم تظاهرات عمالية أممية متزامنة تأييدًا لتشريع يحدد يوم العمل بثماني ساعات، على أن تُقام في الأول من مايو عام 1890.

وينطبق هذا أيضًا على الأحزاب التي شاركت فعليًا في مؤتمرات 1889 ولا تزال قائمة حتى اليوم. فالأحزاب المنبثقة عن “الأممية الثانية”، أو وريثاتها، تمثل اليوم حكومات أو قوى معارضة رئيسية في معظم أنحاء أوروبا، غرب ما كان يُعرف بـ”الاشتراكية القائمة فعليًا”. وكان من المتوقع أن تُبدي قدرًا أكبر من الفخر، أو حتى الاهتمام، بماضيها.

أما أقوى رد فعل سياسي في بريطانيا على الذكرى المئوية لعيد العمال فجاء من السير جون هاكت، الجنرال السابق، وللأسف، الرئيس الأسبق لإحدى كليات جامعة لندن. فقد دعا إلى إلغاء عيد العمال، إذ بدا، على نحوٍ ما، وكأنه يعتبره اختراعًا سوفييتيًا لا مبرر لاستمراره بعد سقوط الشيوعية الأممية.

ومع ذلك، فإن أصل عطلة عيد العمال في المجتمع الأوروبي كان، على النقيض تمامًا، بعيدًا كل البعد عن كونه بلشفيًا أو حتى ديمقراطيًا اجتماعيًا. إذ يعود إلى سياسيين مناهضين للاشتراكية أدركوا عمق تأثير “عيد العمال” في الطبقات العاملة الغربية، فسعوا إلى مواجهة جاذبية الحركات الاشتراكية والعمالية عبر الاستحواذ على هذا العيد وتحويله إلى مناسبة مختلفة في مضمونها ودلالاتها.

ولنستشهد هنا بمقترح قُدِّم إلى البرلمان الفرنسي في أبريل 1920، أيده واحد وأربعون نائبًا لم يجمعهم قاسم مشترك سوى أنهم ليسوا اشتراكيين:

ينبغي ألا يتضمن هذا العيد أي عنصر من عناصر الغيرة أو الكراهية، وهي الكلمات المبطّنة للصراع الطبقي. فكل الطبقات، “إن كان لا يزال من الممكن القول بوجود طبقات”، وجميع طاقات الأمة الإنتاجية، ينبغي أن تتآخى، مستلهمة الفكرة نفسها والمثل الأعلى ذاته.

أما أولئك الذين ذهبوا أبعد من ذلك في استغلال عيد العمال أمام “المجتمع الأوروبي”، فقد انتموا إلى أقصى اليمين، لا إلى اليسار. فكانت حكومة أدولف هتلر أول حكومة، بعد الاتحاد السوفييتي، تجعل الأول من مايو “يومًا وطنيًا للعمال”.

كما أعلنت حكومة فيليب بيتان في فيشي الأول من مايو “عيدًا للعمل والوئام”، ويُقال إنها استلهمت ذلك من احتفالات الفالانج، “الكتائب الإسبانية”، بعيد العمال تحت حكم فرانسيسكو فرانكو، حيث كان بيتان نفسه سفيرًا هناك ومعجبًا بفرانكو.

إن المجموعة الاقتصادية الأوروبية، التي جعلت من عيد العمال عطلة رسمية، لم تكن، على خلاف ما كانت تراه مارغريت تاتشر، هيئةً مؤلفة من حكومات اشتراكية، بل من حكومات مناهضة للاشتراكية. وكانت احتفالات عيد العمال الرسمية في الغرب تعبيرًا عن اعترافٍ بالحاجة إلى التكيّف مع تقاليد هذا العيد غير الرسمية والتصالح معها، وفي الوقت نفسه محاولةً لفصلها عن الحركات العمالية، وعن الوعي الطبقي، والصراع الطبقي.

لكن كيف اكتسب هذا التقليد كل هذه القوة، إلى حد أن أعداءه سعوا إلى احتوائه والاستيلاء عليه، حتى بعد أن دمّروا الحركة العمالية الاشتراكية، كما فعل أدولف هتلر وفرانسيسكو فرانكو وفيليب بيتان؟

مصدر‭ ‬الصورة‭: ‬ويكي‭ ‬ميديا،‭ ‬اضراب‭ ‬السكة‭ ‬الحديد‭ ‬بلتيمور،‭ ‬أمريكا ‭ ‬1877

الصعود السريع 

إن الأمر الاستثنائي في تطور هذه المؤسسة أنها لم تكن مقصودة ولا مخططة سلفًا. بمعنى أنها لم تكن “تقليدًا مُخترَعًا”، بقدر ما كانت تقليدًا انفجر على نحو مفاجئ.

أما الأصل المباشر لعيد العمال فلا خلاف حوله. فقد جاء نتيجة قرار اتخذه أحد المؤتمرين التأسيسيين للأممية، وهو المؤتمر الماركسي الذي عُقد في باريس في يوليو 1889، عام الذكرى المئوية لـالثورة الفرنسية. دعا هذا المؤتمر إلى تنظيم مظاهرة أممية للعمال تُقام في يوم واحد، يطرحون خلالها مطلبهم القانوني بإقرار يوم عمل من ثماني ساعات أمام السلطات العامة في بلدانهم وغيرها.

وبما أن اتحاد العمال الأمريكي كان قد قرر بالفعل تنظيم مظاهرة مماثلة في الأول من مايو عام 1890، فقد وقع الاختيار على هذا اليوم ليكون موعدًا للمظاهرة الأممية. والمفارقة أن “عيد العمال” نفسه لم يترسخ في الولايات المتحدة كما حدث في أماكن أخرى، نظرًا لوجود عطلة رسمية قائمة بالفعل للعمال، هي عيد العمال الذي يُحتفل به في أول يوم اثنين من شهر سبتمبر.

من الطبيعي أن ينشغل الباحثون بتقصّي أصول هذا القرار، وبكيفية ارتباطه بالتاريخ السابق للنضال من أجل إقرار يوم عمل قانوني من ثماني ساعات في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. غير أن هذه المسائل لا تعنينا هنا. ما يهمّ الحجة الحالية هو الفجوة بين ما تصوّره القرار وما تحقق فعليًا على أرض الواقع.

لذلك، يجدر بنا التوقف عند ثلاث حقائق تتعلق بالمقترح الأصلي. أولًا، كانت الدعوة إلى مظاهرة أممية لمرة واحدة، من دون أي إشارة إلى تكرارها، فضلًا عن أن تتحول إلى مناسبة سنوية منتظمة. ثانيًا، لم يتضمن المقترح أي تصور لكونها مناسبة احتفالية أو ذات طقوس خاصة، رغم تفويض العمال في مختلف البلدان بـ”تنظيم هذه المظاهرة بالكيفية التي تفرضها الأوضاع في كل بلد”.

كان ذلك، بطبيعة الحال، بمثابة مخرج طارئ للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الذي كان لا يزال محظورًا آنذاك بموجب قوانين معاداة الاشتراكية التي أقرّها أوتو فون بسمارك.

وأخيرًا، لا يوجد ما يدل على أن هذا القرار كان يُنظر إليه، في حينه، بوصفه ذا أهمية تُذكر. بل على العكس، نادرًا ما أشارت إليه تقارير الصحافة المعاصرة، وغالبًا ما فعلت ذلك، باستثناء حالة واحدة لافتة كانت لصحيفة برجوازية، من دون حتى تسجيل التاريخ المقترح. وحتى التقرير الرسمي للمؤتمر، الذي نشره الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، اكتفى بالإشارة إلى مقدّمي القرار وبتضمين نصّه، من دون أي تعليق أو إحساس بأهميته.

وباختصار، وكما قال إدوارد فايان، أحد أبرز المندوبين وأكثرهم حساسيةً سياسيًا في المؤتمر، بعد بضع سنوات: “من كان يستطيع أن يتنبأ بالصعود السريع لعيد العمال؟”

كان صعوده السريع وتحوله إلى مؤسسة راسخة يعودان، بلا شك، إلى النجاح الاستثنائي الذي حققته مظاهرة الأول من مايو عام 1890، على الأقل في البلدان الأوروبية الواقعة غرب الإمبراطورية الروسية والبلقان. لقد اختار الاشتراكيون اللحظة المناسبة لتأسيس أممية جديدة، أو لإعادة تشكيلها إن شئنا الدقة. فقد تزامن أول احتفال بعيد العمال مع صعود كبير في قوة الطبقة العاملة وثقتها في عدد من البلدان.

ولنأخذ مثالين بارزين. الأول، اندلاع “الحركة النقابية الجديدة” في بريطانيا عقب إضراب الموانئ عام 1889. والثاني، صعود الاشتراكيين في ألمانيا، حيث رفض “الرايخستاغ” في يناير 1890 تجديد قوانين معاداة الاشتراكية التي أقرّها أوتو فون بسمارك. ونتيجة لذلك، ضاعف الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أصواته بعد شهر واحد في الانتخابات العامة، محققًا ما يقارب 20% من إجمالي الأصوات.

لم يكن من الصعب تنظيم مظاهرات ناجحة في تلك اللحظة. فقد اندفع النشطاء والمناضلون إليها بكل حماسهم، بينما انضمت إليها جماهير واسعة من العمال العاديين للاحتفال بالنصر، وبالقوة، وبالاعتراف، وبالأمل.

ومع ذلك، فإن حجم المشاركة في هذه التجمعات أدهش حتى أولئك الذين دعوا إليها، ولا سيما الثلاثمائة ألف الذين ملأوا “هايد بارك” في لندن، في أكبر مظاهرة شهدها ذلك اليوم، وهي أيضًا المرة الأولى والأخيرة التي بلغ فيها الحشد هذا الحجم.

وبينما تولّت الأحزاب والمنظمات الاشتراكية تنظيم هذه التجمعات، فإن قلةً منها فقط أدركت الإمكانات الكاملة لهذه المناسبة وسخّرت لها أقصى طاقتها. وكان الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي استثناءً بارزًا، إذ التقط مبكرًا مزاج الجماهير، فجاءت النتيجة، كما لاحظ فريدريك إنجلز، أن “في القارة كانت النمسا، وفي النمسا كانت فيينا، هي التي احتفلت بهذه المناسبة بأبهى وأجمل صورة ممكنة”.

أما في بلدان أخرى، فقد بدت الأحزاب والحركات أقل اندفاعًا في التحضير لعيد العمال، إذ قيّدتها، كما هو مألوف في سياسات اليسار، خلافات وانقسامات أيديولوجية حول الشكل أو الأشكال المشروعة لهذه المظاهرات، أو كبحها قدر كبير من الحذر. وفي مواجهة ردود فعل متوترة، بل هستيرية أحيانًا، من جانب الحكومات والطبقة الوسطى وأصحاب العمل، الذين لوّحوا بالقمع البوليسي وإيذاء العمال، فضّل القادة الاشتراكيون المسؤولون في كثير من الأحيان تجنّب أشكال المواجهة التي قد تُعدّ استفزازية.

وكان المثال الأبرز على ذلك في ألمانيا، حيث لم يمضِ وقت طويل على رفع الحظر عن الحزب بعد أحد عشر عامًا من عدم شرعيته. وقد كتب زعيم الحزب أوغست بيبل إلى فريدريك إنجلز: “لدينا كل الأسباب لإبقاء الجماهير تحت السيطرة في مظاهرة الأول من مايو، ويجب أن نتجنب الصدامات”. وقد وافق إنجلز على ذلك.

كانت المسألة الحاسمة المطروحة هي ما إذا كان ينبغي دعوة العمال إلى التظاهر خلال ساعات العمل، أي إلى التوقف عن العمل. ففي عام 1890، صادف الأول من مايو يوم الخميس، وبوجه عام لم تجد الأحزاب الحذرة والنقابات العمالية القوية سببًا يدفعها إلى المخاطرة من أجل لفتة رمزية، ما لم تكن راغبة عن عمد في خوض احتجاج صناعي، أو منخرطة فيه بالفعل، كما كان الحال في خطة اتحاد العمال الأمريكي. لذلك فضّلت هذه الأطراف تنظيم المظاهرة في أول يوم أحد من شهر مايو، لا في اليوم الأول من الشهر. وكان هذا هو الخيار البريطاني، وظل كذلك، ولهذا أُقيم أول عيد عمال كبير في الرابع من مايو.

ومع ذلك، كان هذا أيضًا ما فضّله الحزب الألماني، رغم أن الأول من مايو هو الذي ساد عمليًا هناك، بخلاف بريطانيا. وكان من المقرر مناقشة هذه المسألة رسميًا في المؤتمر الاشتراكي الأممي في بروكسل عام 1891، حيث وقف البريطانيون والألمان في مواجهة الفرنسيين والنمساويين حول هذه النقطة، لكنهم خسروا التصويت. ومرة أخرى، كانت هذه القضية، مثل العديد من جوانب عيد العمال الأخرى، نتيجة عرضية لاختيار هذا التاريخ أمميًا؛ إذ لم يُشر القرار الأصلي على الإطلاق إلى التوقف عن العمل. وقد نشأت المشكلة ببساطة لأن أول عيد عمال وقع في أحد أيام أسبوع العمل، وهو ما اكتشفه كل من انخرط في التخطيط للمظاهرة.

لكن الحذر كان يقتضي غير ذلك. ما منح عيد العمال أهميته لم يكن الدافع العملي، بل اختيار الرمز. فالإضراب الرمزي عن العمل هو الذي حوّل هذا اليوم إلى ما يتجاوز مجرد مظاهرة أخرى، أو حتى مناسبة تذكارية عابرة. في البلدان والمدن التي أصرت فيها الأحزاب، رغم تردد النقابات، على هذا الإضراب الرمزي، أصبح عيد العمال جزءًا أساسيًا من حياة الطبقة العاملة ومن هوية العمال. وهذا ما لم يحدث في بريطانيا، رغم بدايته القوية هناك.

فالإمتناع عن العمل في يوم عمل كان بمثابة تأكيد على قوة الطبقة العاملة، بل على جوهر هذه القوة ومعنى الحرية ذاته: ألا يُجبر العامل على العمل تحت وطأة الكدح، بل يختار كيف يقضي وقته مع العائلة والأصدقاء. وهكذا جمع هذا اليوم بين كونه فعلًا لتأكيد الهوية الطبقية وأداة من أدوات النضال الطبقي، وبين كونه عطلة؛ أشبه بلمحة مسبقة عن الحياة الأفضل المنتظرة بعد تحرر العمل.

وبالضرورة، وفي سياق ظروف عام 1890، كان ذلك أيضًا احتفالًا بالنصر، جولة احتفالية للفائز حول الملعب. ومن هذا المنظور، حمل عيد العمال في طياته شحنة كثيفة من المشاعر والأمل.

مصدر الصورة: ويكيبيديا، جالية من حزب رومانيا الشيوعي، 1 مايو 1965

اعتماد عيد العمال رسميًا

هذا ما أدركه فيكتور أدلر عندما أصر، خلافًا لنصيحة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، على أن يُقدم الحزب النمساوي تحديدًا على المواجهة التي كان أوغست بيبل يسعى إلى تجنبها. ومثل بيبل، استشعر أدلر حالة النشوة والتحول الاجتماعي، وذلك الترقب الذي اتخذ طابعًا شبه ديني واجتاح قطاعات واسعة من الطبقة العاملة آنذاك. وقد عبّر بيبل عن ذلك بقوله: “لقد أربكت الانتخابات عقول الجماهير الأقل تأهيلًا سياسيًا، فهم يعتقدون أن عليهم فقط أن يريدوا شيئًا ما حتى يتحقق كل شيء”.

غير أن أدلر، على عكس بيبل، كان لا يزال بحاجة إلى تعبئة هذه المشاعر من أجل بناء حزب جماهيري يستند إلى قاعدة أوسع من النشطاء وتعاطف شعبي متزايد. وفوق ذلك، لم يكن العمال النمساويون قد حصلوا بعد على حق التصويت، بخلاف نظرائهم الألمان، ما جعل من المستحيل إظهار قوة الحركة عبر الانتخابات. ومن جديد، أدرك الإسكندنافيون الإمكانات التعبوية للعمل المباشر، حين صوّتوا، بعد أول عيد للعمال، لصالح تكرار مظاهرة عام 1891، لا سيما إذا اقترنت بالتوقف عن العمل، بدل الاكتفاء بالتعبير الرمزي. كما تبنت الأممية الموقف نفسه عندما صوّتت عام 1891، ضد المندوبين البريطانيين والألمان، لصالح تنظيم المظاهرة في الأول من مايو، و”التوقف عن العمل حيثما كان ذلك ممكنًا”.

ولم يكن هذا يعني أن الحركة الأممية دعت إلى إضراب عام، إذ رغم التوقعات اللامحدودة التي سادت تلك اللحظة، كان العمال المنظمون يدركون حدود قوتهم ونقاط ضعفهم. فقد كانت مسألة الإضراب في عيد العمال، أو التضحية بأجر يوم واحد من أجل التظاهر، موضع نقاش واسع في حانات عمال هامبورغ، وفقًا لتقارير رجال الشرطة الذين ارتدوا ملابس مدنية وأرسلهم مجلس الشيوخ للتجسس على محادثات العمال في تلك المدينة الحمراء.

وكان من المفهوم أن كثيرًا من العمال لن يتمكنوا من الخروج، حتى لو أرادوا ذلك. لذلك أرسل عمال السكك الحديدية برقية إلى أول احتفال بعيد العمال في كوبنهاغن، قُرئت واستُقبلت بالتصفيق: “نظرًا لعدم قدرتنا على الحضور بسبب الضغوط التي يمارسها أصحاب السلطة، فإننا لن نتخلف عن دعم مطلب يوم عمل من ثماني ساعات دعمًا كاملًا”.

ومع ذلك، في الأماكن التي أدرك فيها أصحاب العمل قوة العمال وتماسكهم، كانوا غالبًا ما يتغاضون ضمنيًا عن اعتبار هذا اليوم عطلة. وقد حدث ذلك كثيرًا في النمسا. فبالرغم من التعليمات الواضحة الصادرة عن وزارة الداخلية بحظر المواكب وعدم السماح بالتوقف عن العمل، ورغم القرار الرسمي لأصحاب العمل بعدم اعتبار الأول من مايو يوم عطلة، بل وأحيانًا استبداله باليوم السابق، أغلق “مصنع الأسلحة الحكومي” في مدينة شتاير أبوابه في الأول من مايو 1890، واستمر على ذلك في كل عام لاحق. وعلى أي حال، خرج عدد كافٍ من العمال في عدد كافٍ من البلدان لجعل التوقف عن العمل ظاهرة ملموسة. ففي كوبنهاغن، على سبيل المثال، شارك نحو 40% من عمال المدينة في مظاهرة عام 1890.

ونظرًا للنجاح اللافت وغير المتوقع لأول عيد للعمال، كان من الطبيعي أن تُطرح فكرة تكرار التجربة. وكما رأينا، طالبت الحركات الإسكندنافية الموحدة بذلك في صيف عام 1890، وكذلك فعل الإسبان. وبحلول نهاية العام، كانت غالبية الأحزاب الأوروبية قد حذت حذوهم. وربما لم يكن اقتراح تحويل المناسبة إلى حدث سنوي منتظم جديدًا تمامًا، إذ يُرجّح أن مناضلي مدينة تولوز كانوا أول من طرحوه بقرار صدر عام 1890. لذلك لم يكن مفاجئًا أن يُلزم مؤتمر بروكسل للأممية عام 1891 الحركة بجعل عيد العمال مناسبة سنوية منتظمة.

ومع ذلك، اتخذ المؤتمر أيضًا خطوتين إضافيتين. فقد أصر، كما سبق، على الاحتفال بعيد العمال عبر مظاهرة واحدة في الأول من مايو، أيًا كان اليوم، تأكيدًا لطابعه بوصفه دعمًا لمطلب اقتصادي محدد، هو يوم العمل من ثماني ساعات، وكذلك تأكيدًا على الصراع الطبقي.

كما أضاف المؤتمر مطلبين آخرين إلى جانب يوم العمل من ثماني ساعات: تشريع العمل، والنضال ضد الحرب. ورغم أن شعار السلام أصبح منذ ذلك الحين جزءًا رسميًا من عيد العمال، فإنه لم يندمج فعليًا في تقاليده الشعبية إلا بوصفه عنصرًا يعزز طابعه الأممي. وإلى جانب توسيع برنامج المظاهرة، تضمن القرار ابتكارًا آخر، إذ تحدث صراحة عن “الاحتفال” بعيد العمال. وهكذا لم تعد الحركة تنظر إليه بوصفه نشاطًا سياسيًا فحسب، بل بوصفه عيدًا أيضًا.

مرة أخرى، لم يكن هذا جزءًا من الخطة الأصلية. بل على العكس، عارض الجناح المتشدد في الحركة والفوضويون، كما هو معروف، فكرة الاحتفال لأسباب أيديولوجية. كان عيد العمال، في نظرهم، يومًا للنضال لا للاحتفال. وقد فضّل الفوضويون أن يتطور من مجرد يوم عطلة يُنتزع من الرأسماليين إلى إضراب عام شامل يطيح بالنظام بأسره. وكما يحدث كثيرًا، تبنّى الثوريون الأكثر راديكالية رؤية قاتمة للصراع الطبقي، وهو ما تعكسه أيقوناتهم التي تصوّر الجماهير بألوان قاتمة لا يبددها سوى ومضات حمراء عابرة.

وانطلاقًا من ذلك، فضّل الفوضويون النظر إلى عيد العمال بوصفه إحياءً لذكرى الشهداء، شهداء شيكاغو عام 1886، “يوم حزن لا يوم احتفال”. وحيثما كان لهم تأثير، كما في إسبانيا وأمريكا الجنوبية وإيطاليا، أصبح هذا البعد الاستشهادي جزءًا أصيلًا من المناسبة، بينما غابت عنها مظاهر الاحتفال في تصورهم الثوري. بل إن دراسة حديثة عن عيد العمال الفوضوي في برشلونة تُظهر أن رفض التعامل معه بوصفه “عيدًا” أصلًا، أو حتى تسميته كذلك (Festa del Treball)، كان من أبرز سماته قبل قيام الجمهورية. فلتذهب الأفعال الرمزية إلى الجحيم: إما ثورة أممية أو لا شيء. حتى إن بعض الفوضويين رفضوا دعم إضراب عيد العمال، معتبرين أن أي تحرك لا يشعل فتيل الثورة فعليًا ليس سوى انحراف إصلاحي جديد. ولم يقبل الاتحاد العام للشغل الفرنسي (CGT) بفكرة الاحتفال بعيد العمال إلا بعد الحرب العالمية الأولى.

ربما شجّع قادة الأممية الثانية تحويل عيد العمال إلى مناسبة احتفالية لأنهم سعوا إلى تجنب تكتيكات المواجهة التي تبنّاها الفوضويون، كما كانوا حريصين على توسيع قاعدة المشاركة في المظاهرات إلى أقصى حد ممكن. ومع ذلك، فإن فكرة عطلة طبقية تجمع بين الصراع والمتعة لم تكن حاضرة في أذهانهم منذ البداية. فمن أين جاءت هذه الفكرة؟

مصدر الصورة: ويكي ميديا، غلاف مجلة

يوم عطلة 

في البداية، لعب اختيار التاريخ دورًا حاسمًا. فعطلات الربيع متجذرة بعمق في الدورة الطقسية للسنة في نصف الكرة الشمالي، بل إن شهر مايو نفسه يرمز إلى تجدد الطبيعة. في السويد، على سبيل المثال، كان الأول من مايو يُعد، وفق التقاليد القديمة، عطلة رسمية. ومن المفارقات أن هذا شكّل إحدى مشكلات الاحتفال بعيد العمال في أستراليا، حيث يأتي في قلب الشتاء.

ومن خلال الكم الكبير من المواد التصويرية والأدبية التي أُتيحت في السنوات الأخيرة، يتضح أن الطبيعة والنباتات، وخاصة الزهور، تحولت تلقائيًا إلى رموز لهذه المناسبة. فأبسط التجمعات الريفية، مثل اجتماع عام 1890 في إحدى قرى إقليم شتايريا بالنمسا، لم تظهر فيها لافتات، بل لوحة مزينة بالأكاليل تحمل شعارات، إلى جانب حضور موسيقيين. وتُظهر صورة أخرى لعيد عمال لاحق في النمسا عمالًا من الاشتراكيين الديمقراطيين، رجالًا ونساءً، يستعرضون دراجاتهم المزينة بالزهور، بينما يظهر طفل صغير مزين بالزهور أيضًا، في ما يشبه مقعدًا معلقًا بين دراجتين.

وتظهر الزهور بعفوية حتى في الصور الرسمية، إذ تحيط بالأيقونات الصارمة للمندوبين النمساويين السبعة إلى مؤتمر 1889 الأممي، التي وُزعت خلال أول احتفال بعيد العمال في فيينا. بل إن الزهور تتسلل إلى الأساطير النضالية نفسها. ففي فرنسا، ارتبطت حادثة إطلاق النار في فورمي عام 1891، التي أسفرت عن عشرة قتلى، بصورة ماريا بلوندو، الشابة البالغة من العمر ثمانية عشر عامًا، والتي رقصت فوق رؤوس نحو 200 شاب وفتاة، وهي تلوّح بغصن من الزعرور البري أهداه لها خطيبها، قبل أن تقتلها القوات بالرصاص.

في هذه الصورة يندمج تقليدان من تقاليد مايو بوضوح. فأي زهور كانت تُستخدم؟ في البداية، وكما يوحي غصن الزعرور، كانت الألوان تشير إلى الربيع أكثر مما تشير إلى السياسة، رغم أن الحركة سرعان ما استقرت على رموز نباتية ذات دلالة خاصة بها، مثل الورود، وزهرة الخشخاش، وقبل كل شيء القرنفل الأحمر. ومع ذلك، اختلفت الأساليب من بلد إلى آخر. لكن الزهور، إلى جانب رموز النمو المتجدد والشباب والأمل، ولا سيما صور الشابات، ظلت تحتفظ بأهمية مركزية.

وليس من قبيل الصدفة أن أكثر الأيقونات شيوعًا لهذه المناسبة، والمتكررة بلغات عدة، جاءت من أعمال والتر كرين، ولا سيما صورته الشهيرة لامرأة ترتدي القبعة الفريجية، تحيط بها أكاليل الزهور. ورغم أن الحركة الاشتراكية البريطانية كانت صغيرة ومحدودة التأثير، وأن أعياد العمال فيها أصبحت هامشية بعد السنوات الأولى، فإنها، عبر ويليام موريس وكرين وحركة الفنون والحرف، التي كانت من أبرز روافد “الفن الجديد” في تلك الحقبة، نجحت في التعبير بدقة عن روح العصر.

في الواقع، نشأت فكرة تحويل يوم العمال إلى احتفال وعطلة عامة بشكل عفوي وسريع للغاية. وقد ساعد على ذلك، بلا شك، أن الكلمة الألمانية “feiern” تحمل معنيين في آن واحد: “عدم العمل” و”الاحتفال”. أما استخدام كلمة “playing” بوصفها مرادفًا لـ”striking”، والذي كان شائعًا في إنجلترا خلال النصف الأول من القرن، فقد تراجع ولم يعد متداولًا بحلول نهايته.

على أي حال، بدا من المنطقي أن يتبع التوقف عن العمل في هذا اليوم، إلى جانب الاجتماعات السياسية والمسيرات الصباحية، أنشطة اجتماعية وترفيهية لاحقًا. خاصة أن الحانات والمطاعم كانت تؤدي دورًا محوريًا بوصفها أماكن تجمع للحركة العمالية، بل إن ملاك هذه الأماكن شكّلوا شريحة معتبرة من الناشطين في أكثر من بلد.

وهنا تبرز نتيجة مهمة. فعلى عكس السياسة، التي كانت تُعد آنذاك “شأنًا ذكوريًا”، شملت العطلات النساء والأطفال. وتؤكد المصادر المرئية والأدبية حضور المرأة ومشاركتها في عيد العمال منذ بداياته. وما منح هذا اليوم طابعه كاستعراض طبقي حقيقي، وجعله، كما في إسبانيا، يجذب تدريجيًا عمالًا غير منتمين سياسيًا إلى الاشتراكيين، هو تحديدًا كونه لم يقتصر على الرجال، بل كان عيدًا عائليًا. ومن خلال عيد العمال أيضًا، ارتبطت النساء، اللواتي لم يكنّ يعملن مباشرة في سوق العمل المأجور، أي غالبية نساء الطبقة العاملة المتزوجات، بالحركة العمالية بشكل علني. فإذا كانت حياة العمل المأجور تخص الرجال في المقام الأول، فإن الامتناع الجماعي عن العمل ليوم واحد وحّد الطبقة العاملة بأكملها، رجالًا ونساءً، ومن مختلف الأعمار.

عيد فصح عمالي 

عمليًا، كانت معظم العطلات قبل تلك الفترة ذات طابع ديني في أنحاء أوروبا، باستثناء بريطانيا، حيث اندمج عيد العمال ضمن تقاليد العطلات الأوروبية الأوسع. وقد شارك عيد العمال الأعياد المسيحية نزعتها إلى العالمية، أو بلغة الحركة العمالية: الأممية. وكان لهذا البعد أثر عميق في المشاركين، إذ عزّز جاذبية اليوم ومنحه طابعًا يتجاوز المحلي. وتؤكد ذلك المنشورات العديدة الخاصة بعيد العمال، التي كانت غالبًا تُنتج محليًا وتشكل مصدرًا مهمًا لفهم تاريخه الثقافي. ففي إيطاليا ما قبل الفاشية وحدها، جرى حفظ 308 أعداد مختلفة من هذه المنشورات. وعلى سبيل المثال، يتضمن أول عدد مخصص لعيد العمال صدر في بولونيا عام 1891 ما لا يقل عن أربعة بنود تتناول عالمية هذا اليوم بشكل مباشر. ولم يكن من المستغرب أن تبدو المقارنات مع عيد الفصح أو عيد الخمسين بديهية، وكذلك مع احتفالات الربيع الشعبية.

وقد أدرك الاشتراكيون الإيطاليون مدى الجاذبية العفوية التي حازها عيد العمال الجديد (festa del lavoro) لدى السكان الكاثوليك والأمميين، فبدأوا استخدام مصطلح “عيد الفصح العمالي” منذ عام 1892 على أقصى تقدير. وسرعان ما انتشرت هذه المقارنات عالميًا خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن التاسع عشر. وليس من الصعب فهم السبب، إذ بدت أوجه التشابه بين الحركة الاشتراكية الناشئة والحركات الدينية واضحة، بل إن احتفالات عيد العمال في سنواتها الأولى اتخذت، في بعض جوانبها، طابع حركة إحياء ديني ذات أفق مسيحي.

وفي هذا السياق، بدا أن ثمة تشابهًا، في بعض النواحي، بين القادة والناشطين والدعاة الاشتراكيين وبين الطبقة الكهنوتية، أو على الأقل الوعّاظ العلمانيين. ولدينا منشور لافت من مدينة شارلروا في بلجيكا عام 1898، يمكن وصفه، دون مبالغة، بأنه “وعظ” عمالي. فقد أعدّه عشرة نواب من حزب العمال البلجيكي، كانوا على الأرجح من غير المتدينين، وجاء تحت عنوانين متجاورين: “يا عمال العالم، اتحدوا” (كارل ماركس)، و”أحبوا بعضكم بعضًا” (المسيح). وتكفي بعض المقتطفات لإعطاء فكرة عن نبرته ومحتواه:

“هذه ساعة الربيع والاحتفال، حين تتجلى حركة التطور الدائم للطبيعة، فلتملؤوا أنفسكم بالأمل على مثال الطبيعة، واستعدوا للحياة الجديدة.”

وبعد مقاطع تتضمن إرشادات أخلاقية من قبيل: “تحلّوا باحترام الذات، واحذروا المشروبات المُسكِرة والشهوات التي تحطّ من الشأن”، إلى جانب عبارات تشجيع اشتراكية، اختُتم النص بنبرة من الأمل الروحي:

قريبًا ستتلاشى الحدود، قريبًا ستنتهي الحروب والجيوش. في كل مرة تمارسون فيها الفضائل الاشتراكية، كالتضامن والمحبة، تُقرّبون هذا المستقبل خطوة أخرى. وعندئذ، في أجواء من السلام والفرح، سيولد عالم جديد تنتصر فيه الاشتراكية، حين يُفهم الواجب الاجتماعي للجميع فهمًا صحيحًا بوصفه سعيًا لتحقيق النمو الشامل لكل فرد.

ومع ذلك، فإن النقطة الأساسية في ما يتعلق بالحركة العمالية الجديدة لم تكن أنها حركة عقائدية، أو أنها كثيرًا ما استعارت نبرة وخطابًا يشبهان الخطاب الديني، بل إنها، في جوهرها، لم تتأثر بالنموذج الديني نفسه، حتى في البلدان التي كانت فيها الجماهير شديدة التدين ومشبعة بثقافة الكنيسة. بل إن التقارب بين الإيمان القديم والإيمان الجديد ظل محدودًا للغاية، ولم يظهر إلا في حالات استثنائية، حين اتخذت البروتستانتية شكل طوائف معارضة غير رسمية، كما في إنجلترا.

فالحركة العمالية الاشتراكية كانت، في الأساس، حركة علمانية نضالية، وغالبًا ما اتسمت بعداء صريح للدين، ومع ذلك نجحت في استقطاب جماهير واسعة كانت متدينة، أو خرجت من خلفية دينية، إلى صفوفها.

يمكننا أيضًا فهم سبب ذلك. فقد جذبت الاشتراكية والحركة العمالية رجالًا ونساءً كانوا، بوصفهم طبقة أخذت تعي ذاتها، بلا مكان حقيقي داخل المجتمع الذي هيمنت عليه الكنائس القائمة، ولا سيما الكنيسة الكاثوليكية. وكانت هناك بالفعل جيوب من “الغرباء”، إما بحكم المهنة، كما في مناطق التعدين والمناطق الصناعية، سواء البدائية أو المتقدمة، أو بحكم الأصل، كما في حالة الألبان في القرية الحمراء المثالية “بيانا دي غريسي” (Piana dei Greci) في صقلية، التي تُعرف اليوم باسم “بيانا ديل ألبانيزي” (Piana degli Albanesi)، أو في تجمعات توحدها معايير أخرى تجعلها منفصلة جماعيًا عن المجتمع الأوسع. في مثل هذه البيئات، كان بإمكان الحركة أن تؤدي دور المجتمع نفسه، وأن تستولي بذلك على كثير من الممارسات القروية القديمة التي كانت حكرًا على الدين.

ومع ذلك، ظل هذا الوضع استثنائيًا. ففي الواقع، كان أحد الأسباب الرئيسية لنجاح عيد العمال أنه اعتُبر العيد الوحيد المرتبط حصريًا بالطبقة العاملة بوصفها طبقة مستقلة، لا تشاركها فيه أي فئات اجتماعية أخرى. وإلى جانب ذلك، كان يومًا انتزعه العمال بإرادتهم وتنظيمهم، لا منحةً من فوق.

والأهم من ذلك، أنه كان اليوم الذي ظهر فيه أولئك الذين اعتادوا أن يكونوا “غير مرئيين” في الفضاء العام. فقد استولوا، ولو ليوم واحد، على الفضاء الرسمي الذي تهيمن عليه الطبقات الحاكمة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى احتفالات عمال المناجم في بريطانيا، ولا سيما احتفال عمال مناجم دورهام، بوصفها تمهيدًا لفكرة عيد العمال، لكنها ظلت مرتبطة بصناعة بعينها، لا بالطبقة العاملة ككل.

وبهذا المعنى، كانت العلاقة الوحيدة تقريبًا بين عيد العمال والدين هي المطالبة بالمساواة في الحقوق. فقد ورد في منشور لعيد العمال في مدينة فوغيرا (Voghera) في وادي بو: “للرهبان أعيادهم، وللمعتدلين أعيادهم، وللديمقراطيين أعيادهم. أما الأول من مايو، فهو عيد عمال العالم بأسره.”

العالم الجديد 

لكن كان هناك عامل آخر أبعد الحركة عن الدين. كانت كلمتها المفتاحية هي “الجديد”، كما في “الزمن الجديد” (Die Neue Zeit)، المجلة الماركسية التي أصدرها كاوتسكي، وكما تجسّد في نشيد العمال النمساوي المرتبط حتى اليوم بعيد العمال، والذي يشتهر بعبارة: “معنا يسير الزمن الجديد” (Mit uns zieht die neue Zeit).

وكما تُظهر التجربتان الإسكندنافية والنمساوية، فقد وصلت الاشتراكية غالبًا إلى الريف والمدن الصغيرة عبر السكك الحديدية، مع أولئك الذين شيدوها وأداروها، حاملين معهم أفكارًا جديدة وروح زمن جديد.

وعلى عكس العطلات الرسمية الأخرى، بما في ذلك معظم المناسبات التي عرفتها الحركة العمالية من قبل، لم يكن عيد العمال يومًا لإحياء ذكرى حدث بعينه، باستثناء ما تأثر بالنزعة الفوضوية التي سعت، كما رأينا، إلى ربطه بأحداث شيكاغو عام 1886. بل كان يومًا موجّهًا بالكامل نحو المستقبل، مستقبل لا يشبه الماضي الذي لم يمنح البروليتاريا سوى ذكريات مؤلمة.

“نطوي صفحة الماضي لنفتح صفحة جديدة”، هكذا تغنّت الأممية، ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة. فالحركة، على خلاف الدين التقليدي، لم تعد أتباعها بجنات بعد الموت، بل وعدتهم بـ”القدس الجديدة” تُقام على هذه الأرض.

وقد طوّر عيد العمال سريعًا أيقونيته الخاصة، التي وجّهت خطابها البصري بالكامل نحو المستقبل. ولم يكن واضحًا على وجه الدقة ما الذي سيحمله هذا المستقبل، سوى أنه سيكون أفضل، وأنه قادم لا محالة. ولحسن الحظ بالنسبة لنجاح هذا اليوم، فقد ساهم أحد المسارات المرتبطة بهذا الأفق في تحويله إلى ما يتجاوز مجرد مظاهرة أو احتفال. ففي عام 1890، كانت الديمقراطية الانتخابية لا تزال محدودة الانتشار في أوروبا، ولذلك أُضيف مطلب حق الاقتراع العام بسهولة إلى مطلب يوم العمل من ثماني ساعات، وإلى سائر شعارات عيد العمال.

واللافت أن هذا المطلب، رغم تحوله إلى عنصر أساسي في احتفالات عيد العمال في النمسا وبلجيكا وإيطاليا والدول الإسكندنافية وغيرها حتى تحقق، لم يصبح يومًا جزءًا أمميًا ثابتًا من مضمونه السياسي، على غرار مطلب يوم العمل من ثماني ساعات، ولاحقًا مطلب السلام. ومع ذلك، وحيثما كان ممكنًا، أصبح هذا المطلب جزءًا لا يتجزأ من المناسبة، وأضاف إلى أهميتها بدرجة كبيرة.

في الواقع، فإن تنظيم الإضرابات العامة، أو حتى التهديد بها لانتزاع حق الاقتراع العام، وهو ما تطوّر وحقق قدرًا من النجاح في بلجيكا والسويد والنمسا، وساهم في الحفاظ على تماسك الأحزاب والنقابات، كان قد نشأ في الأصل من التوقفات الرمزية عن العمل في عيد العمال. وقد بدأ عمال المناجم في بلجيكا أول إضراب من هذا النوع في الأول من مايو عام 1891.

وعلى الجانب الآخر، كانت النقابات العمالية أكثر انشغالًا بشعار عيد العمال السويدي: “ساعات عمل أقصر، أجور أعلى”، أكثر من انشغالها بالجوانب الأخرى لهذا اليوم. بل إن هناك فترات، كما في إيطاليا، ركزت فيها النقابات على هذه المسألة وتركت قضية الديمقراطية لغيرها. ومع ذلك، فإن التقدم الكبير الذي أحرزته الحركة، بما في ذلك تبنيها الفعّال للديمقراطية، لم يكن قائمًا على مصلحة اقتصادية ضيقة فحسب.

فالديمقراطية كانت، بطبيعة الحال، في صميم الحركات العمالية الاشتراكية، لا بوصفها مجرد أداة لتقدمها، بل باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من هويتها. وقد خُلّد أول عيد عمال في ألمانيا بلوحة تذكارية تُظهر كارل ماركس على أحد جانبيها، وتمثال الحرية على الجانب الآخر. وفي مطبوعة نمساوية لعيد العمال عام 1891، يظهر ماركس حاملًا كتاب “رأس المال”، مشيرًا عبر البحر إلى جزيرة رومانسية، بينما تشرق خلفها شمس عيد العمال، التي أصبحت لاحقًا أحد أكثر رموزه دوامًا. وتحمل أشعة هذه الشمس شعارات الثورة الفرنسية: الحرية، والإخاء، والمساواة، وهي شعارات ظهرت على العديد من شارات وتذكارات عيد العمال المبكرة. ويحيط بماركس عدد من العمال، وكأنهم على وشك الإبحار بأسطول من السفن نحو تلك الجزيرة، وقد كُتبت على أشرعتها مطالب مثل: “الاقتراع العام المباشر، يوم عمل من ثماني ساعات، حماية العمال”. كان هذا هو الخيال التأسيسي لعيد العمال.

وقد نشأ هذا التقليد بسرعة استثنائية، خلال عامين أو ثلاثة فقط، عبر تفاعل لافت بين شعارات القادة الاشتراكيين وتفسيرها العفوي من قبل النشطاء والعمال في القواعد. تبلور ذلك في تلك السنوات الأولى المدهشة التي شهدت ازدهارًا مفاجئًا في الأحزاب والحركات العمالية، حين كان كل يوم يحمل نموًا ملموسًا، وحين بدا مجرد وجود هذه الحركات، والتأكيد على الهوية الطبقية، كأنه ضمان للنصر القادم. بل إن الأمر بدا، في لحظة ما، وكأنه إعلان عن انتصار وشيك، وأن أبواب عالم جديد قد فُتحت بالفعل أمام الطبقة العاملة.

ومع ذلك، لم يكد القرن الجديد يبدأ حتى كان عيد العمال، شأنه شأن كثير من جوانب الحركة العمالية، قد خضع لقدر من التنظيم والتقنين المؤسسي، رغم أن بعض ذلك الوهج القديم عاد إليه في مراحل لاحقة، بعد نضالات وانتصارات كبرى. يمكن ملاحظة ذلك في أعياد العمال خلال السنوات الأولى للثورة الروسية، وكذلك في أنحاء واسعة من أوروبا بين عامي 1919 و1920، حين تحقق مطلب يوم العمل من ثماني ساعات في عدد من البلدان. كما يظهر في احتفالات عمال “الجبهة الشعبية” في عامي 1935 و1936، وفي البلدان الأوروبية التي تحررت من الاحتلال بعد هزيمة الفاشية. ومع ذلك، في معظم البلدان التي شهدت حركات عمالية اشتراكية جماهيرية، كان عيد العمال قد أصبح طقسًا روتينيًا بالفعل قبل عام 1914.

والمفارقة أنه، في اللحظة التي أصبح فيها عيد العمال أكثر روتينية، اكتسب أيضًا طابعًا طقوسيًا. وكما أشار أحد المؤرخين الإيطاليين، فإنه حين لم يعد يُنظر إليه بوصفه مدخلًا مباشرًا إلى التحول الكبير، تحوّل إلى طقس جماعي يحتاج إلى “شعائره وآلهته الخاصة”. وغالبًا ما تجسدت هذه “الآلهة” في صور نساء شابات بشعور منسدلة وملابس فضفاضة، يقدن الطريق نحو شروق الشمس أمام حشود من الرجال والنساء. فهل كنّ يرمزن إلى الحرية؟ أم الربيع؟ أم الشباب؟ أم الأمل؟ أم الفجر الوردي؟ أم إلى مزيج من ذلك كله؟ يصعب الجزم.

من الناحية الأيقونية، لا تكاد تمتلك هذه الصورة سمة عالمية واضحة، باستثناء عنصر الشباب. حتى القبعة الفريجية، على الرغم من شيوعها، وكذلك الرموز التقليدية للحرية، لا تظهر دائمًا.

ويمكن تتبع عملية التحول الطقوسي لعيد العمال من خلال الزهور، التي كانت حاضرة منذ البداية، لكنها أخذت تكتسب طابعًا أكثر رسمية مع نهاية القرن. وهكذا، اكتسب القرنفل الأحمر مكانته الرمزية في أراضي هابسبورغ وإيطاليا منذ نحو عام 1900، حين جرى تأكيد دلالاته بشكل خاص في صحيفة فلورنسا التي حملت اسم “القرنفل الأحمر” (Il Garofano Rosso)، والتي استمرت في الصدور حتى الحرب العالمية الأولى. أما الوردة الحمراء، فقد ترسخ حضورها الرمزي بين عامي 1911 و1912. وبالتدريج، تسللت نبتة “زنبق الوادي” إلى تقاليد عيد العمال في أوائل القرن العشرين، حتى أصبحت أحد رموزه المتداولة.

ومع ذلك، لم ينته العصر الذهبي لاحتفالات عيد العمال ما دامت هذه المناسبة قانونية، أي قادرة على حشد جماهير واسعة إلى الشارع، وغير رسمية في الوقت ذاته. أما حين تحولت إلى عطلة ممنوحة من أعلى، فقد اكتسبت بالضرورة طابعًا مختلفًا. وبما أن التعبئة الجماهيرية كانت جوهرها الأساسي، فإنها لم تتمكن من مقاومة القمع حين أصبحت غير قانونية. ومع ذلك، ظل بعض النشطاء يحافظون على تقاليدها. ففي “بيانا دي ألبانيزي” (Piana degli Albanesi)، كان الاشتراكيون، ولاحقًا الشيوعيون، يفخرون، حتى في أحلك سنوات الفاشية، بإرسال عدد من الرفاق كل أول مايو إلى ممر جبلي يُعرف بـ”صخرة الدكتور بارباتو” (Dr. Barbato’s Rock)، حيث خاطبهم أحد دعاة الاشتراكية المحليين عام 1893.

مصدر الصورة: مسيرة عيد العمال في لندن

وفي الموقع نفسه، ارتكب قاطع الطرق جوليانو مذبحة استهدفت التجمع الشعبي الذي أُعيد إحياؤه بعد سقوط الفاشية عام 1947، وهو تجمع جمع بين المظاهرة والنزهة العائلية. ومنذ عام 1914، ولا سيما بعد عام 1945، أصبح عيد العمال إما محظورًا أو رسميًا وخاضعًا للدولة. ولم يبقَ طابعه القديم الحقيقي إلا في بعض مناطق العالم الثالث، حيث تطورت الحركات العمالية الاشتراكية في ظروف سمحت لهذا اليوم بأن يظل حيًا، محتفظًا إلى حد كبير بتقاليده الأصلية.

وبالطبع، لم يفقد عيد العمال خصائصه القديمة في كل مكان. ومع ذلك، حتى في البلدان التي لم يرتبط فيها بسقوط أنظمة قديمة، كما في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، يمكن القول إن هذا اليوم، بالنسبة لكثيرين، أصبح يستحضر الماضي أكثر مما يعكس الحاضر. لقد تغيّر المجتمع الذي نشأ فيه عيد العمال. فإلى أي مدى لا تزال تلك المجتمعات القروية العمالية الصغيرة، التي يتذكرها كبار السن في إيطاليا، ذات أهمية اليوم؟

“كنا نسير في مسيرة حول القرية، ثم نجتمع في وجبة جماعية. كان كل أعضاء الحزب هناك، ومعهم كل من أراد المشاركة.”

ماذا حلّ، في العالم الصناعي، بأولئك الذين كانوا في تسعينيات القرن التاسع عشر ما يزالون قادرين على أن يروا أنفسهم في نداء “نشيد الأممية”: “هبّوا، ضحايا الاضطهاد… ضحايا جوع الاضطرار”؟

وكما قالت امرأة إيطالية مسنّة عام 1980، وهي تستعيد ذكرى عيد العمال عام 1920: “كنت أحمل الراية وأنا في الثانية عشرة من عمري، عاملة نسيج بدأت لتوّي في المصنع. أما اليوم، فالذين يذهبون إلى العمل صاروا سيدات وسادة، ينالون كل ما يطلبونه.”

ماذا حدث لروح خطب عيد العمال، المشبعة بالثقة في المستقبل، والإيمان بمسيرة العقل والتقدم؟
“ثقّفوا أنفسكم. المدارس والدورات، الكتب والصحف، هي أدوات الحرية. انهَلوا من ينابيع العلم والفن، وعندئذ ستصبحون أقوياء بما يكفي لتحقيق العدالة.”

وأين ذلك الحلم الجماعي ببناء “القدس الجديدة” على هذه الأرض؟

ومع ذلك، إذا كان عيد العمال قد أصبح، في نظر البعض، مجرد عطلة أخرى، كما جاء في إعلان فرنسي يقول إن المرء لا يحتاج فيه إلى مهدّئ لأنه ببساطة لا يذهب إلى العمل، فإنه يظل يوم عطلة من نوع خاص. قد لا يكون بعد اليوم، كما قيل يومًا بفخر، “عيدًا خارج كل التقاويم”، إذ أُدرج في أوروبا ضمن جميع التقاويم الرسمية. بل إنه، في الواقع، من أكثر الأيام التي يتوقف فيها العمل عالميًا، ولا يسبقه في ذلك سوى 25 ديسمبر و1 يناير، متجاوزًا بفارق كبير بقية الأعياد الدينية.

غير أن جذوره جاءت من أسفل. فقد شكّله العمال المجهولون بأنفسهم، وتعرّفوا من خلاله إلى ذواتهم كطبقة واحدة، رغم اختلاف المهن واللغات والجنسيات، حين قرروا، مرة كل عام، وبشكل متعمد، التوقف عن العمل، والاتحاد في مواجهة الإكراه السياسي والأخلاقي والاقتصادي. وكما قال فيكتور أدلر عام 1893: “هذا هو معنى عيد العمال: التوقف عن العمل، وهو ما يخشاه خصومنا، لأنهم يدركون أنه فعل ثوري.”

يهتم المؤرخون بهذه المناسبة لعدة أسباب. فمن جهة، تكمن أهميتها في أنها تساعد على تفسير كيف أصبح كارل ماركس ذا تأثير واسع داخل حركات عمالية ضمّت رجالًا ونساءً لم يسمعوا به من قبل، لكنهم وجدوا في دعوته ما يحفّزهم على الوعي بأنفسهم كطبقة، وعلى تنظيم أنفسهم على هذا الأساس.

ومن جهة أخرى، تبرز أهمية هذا اليوم في أنه يكشف القوة التاريخية للأفكار والمشاعر المنبثقة من القاعدة الشعبية، ويُظهر كيف يمكن لأفراد قد يبدون ضعفاء أو بلا وزن أن يتركوا، رغم ذلك، بصمتهم في مجرى التاريخ.

لكن قبل كل شيء، يظل هذا اليوم، بالنسبة لكثيرين، سواء كانوا مؤرخين أم لا، يومًا عميق التأثير، لأنه يجسد ما سمّاه الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ “مبدأ الأمل”: الأمل في مستقبل أفضل داخل عالم أفضل.

وحتى لو لم يعد أحد يتذكر عيد العمال في عام 1990، فقد ظل من واجب المؤرخين أن يُبقوا هذه الذاكرة حيّة.

كاتب

Scroll to Top