الافتتاحية

يصدر هذا العدد في لحظة مليئة بالأزمات الاقتصادية والحروب اللامنتهية، والتحولات المناخية الكارثية والنقلات التكنولوجية شديدة الخطورة. وفي منطقتنا تتركز تناقضات النظام الرأسمالي العالمي في شكل استمرار حرب الإبادة الصهيونية على غزة والضفة الغربية ومحاولات التوسع الصهيوني في جنوب لبنان وسوريا في تواطؤ مع الديكتاتوريات العربية، ويغرق الآلاف من الشباب العربي والإفريقي في محاولات للهروب من الفقر والقهر الذي فرضته عليهم تلك الديكتاتوريات ليواجه إما الغرق في البحار أو الاعتقال على يد نظم أوروبية عنصرية مقيتة. وفي ظل تداخل كل هذه العوامل وكأنها شبكة عنكبوت كبيرة لا نرى مخرج منها، تصبح الماركسية الثورية أداة لا غنى عنها لمحاولة تفكيك عناصر هذه الشبكة وفهم ارتباطها العضوي بالرأسمالية العالمية وبالإمبريالية وسبل النضال ضدها، بل وضرورة تجاوزها.

تتناول مقالات هذا العدد محاولات متنوعة لفهم وتفكيك تعقيدات وتناقضات اللحظة الحالية ولتسليح المناضلين في مواجهتها. ولعل أهم هذه المقالات مقال “جرامشي والماركسية والثورة” بقلم سيد صديق. وعلى الرغم من أن المقال شكلياً هو عرض نقدي لكتاب شريف إمام “سعد زغلول في مرآة جرامشي” فإن مضمون المقال يتجاوز ذلك الشكل تماماً. يقدم لنا الكاتب دفاعاً عن المضمون الثوري لفكر جرامشي من خلال قراءة عميقة ل”كراسات السجن” والتي كتبها جرامشي في سجون الديكتاتور الفاشي بنيتو موسوليني. وهو ينتقد من خلال هذا العرض الاستخدام الأكاديمي الواسع لمصطلحات وأفكار لجرامشي منزوعة من سياقها الماركسي الثوري وتحويلها إلى ألاعيب أكاديمية ذات طابع ثقافي سطحي تعطي غطاءاً يبدو راديكالياً على إنتاج أكاديمي برجوازي.

أما مقال “الماركسية والجنوب العالمي” فتأتي في سياق الصعود الجديد لأفكار الراديكالية الوطنية للجنوب العالمي، والمرتبطة سياسياً بتجارب التحرر الوطني والاستقلال، والمرتبطة نظرياً بما عرف بنظرية التبعية. يفند المقال الإتهام التقليدي لكارل ماركس بأنه “مركزي أوروبي”، وأن أفكاره لا تنطبق على تجارب الجنوب العالمي وبالتالي يجب إما التخلي عنها (مدارس ما بعد الكولونيالية وما بعد البنيوية)، أو إحداث تطوير بنيوي لكثير منها بحيث تصلح لفهم بلدان الجنوب العالمي (نظريات التبعية).

إحدى أهم التطورات المتسارعة في عالمنا المعاصر هي بما لا شك فيه التطور السريع للذكاء الإصطناعي وكل ما يطرحه هذا التطور التكنولوجي السريع من تحديات وأسئلة وأوهام ومخاوف. ما هي علاقة هذا التطور بالتراكم الرأسمالي؟ وما هو الأساس المادي والصناعي الذي يقوم عليه؟ وكيف تستخدمه الرأسمالية لتعميق وتوسيع استغلال العمال؟ وكيف يؤثر ويتأثر بالتنافس الإمبريالي اليوم بين الولايات المتحدة والصين؟ يجاوب مقال محمد طاهر: “الذكاء الاصطناعي كآلة رأسمالية: من العمل الشبحي إلى حرب الرقائق” على هذه الأسئلة بعمق وسلاسة شديدين. ويفند على أساس معلومات دقيقة كل تلك الأوهام والأكاذيب المنتشرة حول هذه التكنولوجيا.

إيلان بابيه هو ظاهرة استثنائية بكل المقاييس، فهو مؤرخ بارع للقضية الفلسطينية ولطبيعة الدولة الصهيونية ولمشروعها القائم على الإبادة للشعب الفلسطيني. وهو أصلاً من سكان الدولة الصهيونية ولكنه رفض ايديولوجيتها العنصرية الكريهة وترك تلك الدولة وأصبح من أهم المناضلين اليهود ضد المشروع الصهيوني وضد وجود تلك الدولة ومع المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها. ننشر في هذا العدد حواراً شيقاً أجراه معه حسام الحملاوي.

يقدم حسام الحملاوي أيضاً في هذا العدد عرضاً لكتاب جديد عن الإمبريالية للكاتب توماش تنجلي إيفانز: “ضد كل الإمبراطوريات”. وهو كتاب شديد الأهمية في هذه اللحظة بالذات ونحن نواجه حرباً إمبريالية على إيران وحرب إمبريالية بين الناتو وروسيا في أوكرانيا وحرب إبادة صهيونية إمبريالية على الشعب الفلسطيني، إلى جانب تنافس إمبريالي محتدم بين الصين والولايات المتحدة. يقدم الكتاب بلغة بسيطة وأسلوب جميل أسس النظرية الماركسية حول الإمبريالية وتطورها وكيف أنها لا غنى عنها لفهم الإمبريالية المعاصرة وللنضال ضدها.

الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران خلقت احتياجا شديدا لفهم التاريخ الإيراني الحديث وخاصة الثورة الإيرانية في ١٩٧٩ وما آلت إليه. ماذا حدث في تلك الثورة، ماذا كان دور الطبقة العاملة والفقراء والنساء فيها؟ كيف تفاعلت الحركة الشيوعية في إيران مع تلك الثورة الجماهيرية الكبرى؟ كيف تمكن الخوميني من احتوائها وبناء نظام الملالي على أنقاضها؟ وكيف تحول ذلك النظام منذ ذلك الحين؟ أسئلة محورية لفهم ما يحدث اليوم يجاوب عليها فيل مارفليت في مقاله: “ثورة الديمقراطية – الثورة الإيرانية 1979 من النصر إلى المأساة”.

أخيراً وليس آخراً يقدم لنا حسن فارس في مقاله :” اغتراب البيولوجيا: كيف يصنع النظام رائحة أجسادنا” قراءة خلاقة وجديدة لعلاقة ما يبدو شخصياً (رائحة العرق) بما هو اجتماعيا، أي بما هو مرتبطاً بالحياة في ظل الرأسمالية. يوضح الكاتب كيف تتأثر البيولوجيا البشرية بعوامل مثل الاحتباس الحراري والتغيير المناخي والتحول العمراني وكيف ينعكس الفقر والفجوة الطبقية المتعاظمة على أبسط أمور الحياة اليومية مثل رائحة العرق.

كاتب

Scroll to Top